الخميس, رمضان 27, 1435  
 
في بيان حكم الكفالة بالنفس  

 

 تحرير المجلة

آية الله العظمى الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء  "قدس سره"

 

  



الفصل الثاني

في ضمان المستأجر

عرفت إن العين المأجورة أمانة مالكية في يد المستأجر ومن حكم الأمانات مطلقاً عدم الضمان بغير تعد وتفريط وقد أحسنت (المجلة) في:

(مادة 600)

المأجور أمانة في يد المستأجر إن كان عقد الإجارة صحيحاً أو لم يكن

ولكنه إذا قبضه بإذن المؤجر في الفاسدة أما لو قبضها بدون أذنه فهو ضامن مع الفساد مطلقاً ويتفرع على هذه المادة:

(مادة 601)

لا يلزم الضمان إذا تلف المأجور في يد المستأجر ما لم يكن بتقصيره أو بتعديه أو بمخالفته المأذونية.

يعني إن اسباب الضمان ثلاثة:

1- اتلافه بالتعدي.

2- تقصيره في حفظه حتى تلف.

3- مخالفته للأذن وشروط الإجارة.

فلو أشترط عليه أن لا يحمل على الدابة أكثر من وزنة فحمل عليها الأكثر فهلكت ولو بسبب آخر ضمن لأنه بمخالفته الشرط خرج عن الأمانة، وكان ينبغي أن يضم إلى أسباب الضمان سبب رابع وهو شرط الضمان مطلقاً وإن كان في صحة مثل هذا الشرط بحث، ولكن الأقوى الصحة، وقد ذكرت (المجلة) السبب الأول في:

(مادة 602)

يلزم الضمان على المستأجر لو تلف المأجور أو طرأ على قيمته نقصان بتعديه، مثلاً لو ضرب المستأجر دابة الكراء فماتت منه أو ساقها بعنف وشدة فهلكت لزمه ضمان قيمتها. ومن هذا القبيل:

(مادة 603)

حركة المستأجر على خلاف المعتاد تعد تفريطاً ويضمن الضرر والخسار الذي يتولد منها، مثلاً لو استعمل الألبسة التي استكراها على خلاف عادة الناس وبليت يضمن، وكذلك احتراق الدار بسبب اشعال النار أزيد من عادة سائر الناس.

وأشارت إلى السبب الثاني في:

(مادة 604)

لو تلف المأجور بتقصير المستأجر في المحافظة أو طرأ على قيمته نقصان يلزم الضمان، مثلاً لو ترك المستأجر دابة الكراء خالية الرأس وضاعت يضمن لأنه أمين مكلف بحفظ الأمانة فيضمن إذا قصر بالحفظ المعتاد.

وأشارت إلى الثالث في:

 (مادة 605)

مخالفة المستأجر مأذونيته بالتجاوز إلى ما فوق المشروط توجب الضمان، وأما مخالفته بالعدول إلى مادون المشروط أو مثله لا توجبه، مثلاً لو حمل المستأجر خمسين أقة حديداً على دابة استكراها لأن يحملها خمسين أقة سمناً وعطبت يضمن، وأما لو حملها حمولة مساوية للدهن في المضرة أو أخف وعطبت لا يضمن.

أما (مادة 606) فهي من توابع ما تقدم في (مادة 591) و(مادة 592) و(مادة 600) وحقها أن تذكر في أحدى تلك المواد.

الفصل الثالث

في ضمان الأجير

هذا الفصل معقود لتلف المستأجر فيه والذي قبله كان لبيان تلف المأجور، وحيث أن الملاك في المقامين متحد كان الأنسب بالتحرير جمعهما في مقام واحد فإن تلك الأسباب بعينها هي أسباب ضمان المستأجر فيه فإذا أعطيت الخياط ثوباً ليخيطه فأتلفه أو قصر في حفظه حتى تلف، أو تعدى الأذن أو الشرط كان ضامناً، وكذا لو غرّه وقال يتسع لصنعه قباء فظهر خلاف ذلك، ولا فرق في ذلك بين الأجير الخاص والمشترك ولا حاجة إلى تكثير الأمثلة وتكرار المواد والفصول، ولا نجد وجهاً مقبولاً أو معقولاً للفرق بينهما، وما يقال من أننا لو قلنا: بأن الأجير المشترك لا يضمن التلف الحاصل من عمله، يباشر بتقبيل أعمال فوق طاقته ويضر بالمستأجرين، ففساده غني عن البيان، وتنقيح القول على الإجمال في ضمان الأجير ما يعمل فيه إن القاعدة تقتضي عدم ضمانه كالمستأجر بالنسبة إلى العين، إلاَّ مع التعدي والتفريط أو التغرير، فالقصار والنجار والبيطار والخياط والصائغ وسائر أرباب المهن والصنائع حتى الحمال والمكاري للنقل والحمل لا يضمنون ما يتلف أو يعاب بأيديهم من أموال الناس إلاَّ بالأتلاف أو الشرط أو التفريط في الحفظ أو التقصير في العمل أو التغرير بأن يقول له المستأجر: إن كان هذه القطعة من القماش تكفي جبة ففصلها، فقال: نعم، تكفي ففصِّلها، فظهر أنها لا تكفي ولا فرق بين أن يشترط عليه أو يسأله فيقول: نعم، إذا كان مغروراً منه، أما مع عدم شيء من هذه الأسباب فلا ضمان لأنه أمين كالعين في يد المستأجر لأستيفاء المنفعة، ولكن ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الخياط والقصار إذا أفسد الثوب ضمن، وكذا الختان والحجام والكحال والبيطار، وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده كان ضامناً وإن كان بغير قصده لعموم (من أتلف..) وللصحيح عن الصادق (ع) في الرجل يعطي الثوب ليصبغه، فقال (ع): (إن كل عامل أعطيته على أن يصلح فأفسد فهو ضامن)، ويظهر منهم أطلاق الضمان حتى مع عدم التعدي والتفريط بل قالوا بضمان الطبيب المباشر للعلاج إذا أضرَّ وإن كان حاذقاً إلاَّ مع أخذ البراءة وعدم التقصير وأفرطوا حتى قالوا بضمان الحمال إذا عثر وزلق فوقع وأنكسر ما كان يحمله كل ذلك لقاعدة الإتلاف، وصدق الاتلاف في كثير من هذه الموارد مشكل والصحيح ناظر إلى من أفسد عن تقصير وتسامح ولذا لم يحكموا في ما لو أستأجر دابة لحمل متاع فعثرت وتلف أو نقص بضمان صاحبها إلاَّ إذا كان هو السبب في عثرتها بضرب زائد أو نخس، وكذا في السفينة لو غرق متاعها وسرق وإذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم يضمن، إلاَّ مع التقصير في الحفظ أو الشرط.

نعم، لو غلبه النوم فسرق قد يعد ذلك تقصيراً فيضمن لكنه مشكل، وعلى كل حال لو سرق لم يستحق الأجرة إن كانت الإجارة على الحفظ، أما لو كانت على النطارة والنظارة ولو لداعي الحفظ وقد قام بهما على العادة أستحقها، كما أن صاحب الحمام لا يضمن الثياب لأن الأجرة إنما هي للحمام فقط لا له وللحفظ. نعم، لو وضعها إلى جنبه بصفة الأمانة وجب عليه حفظها فلو قصر في الحفظ ضمن.

والقصارى، أنك عرفت أن كلاً من المستأجر والأجير بالنسبة إلى العين ومحل العمل أمين، وقاعدة (الائتمان عدم الضمان) إلاَّ إذا خرج عن الأمانة بأحد الأسباب المتقدمة فالأصل الأولي الذي يرجع إليه في موارد الشك هو عدم الضمان حتى يتحقق حصول السبب ومن جميع ذلك يتضح القول في مواد هذا الفصل.

(مادة 607)

لو تلف المستأجر فيه بتعدي الأجير أو تقصيره يضمن، فلا اشكال فيها كما لا اشكال في:

(مادة 608)

تعدي الأجير هو أن يعمل عملاً أو يتحرك حركة مخالفين لأم الآجر صراحة كان أو دلالة..إلى آخره، ومثلها:

(مادة 609)

تقصير الأجير هو قصوره في محافظة المستأجر فيه بلا عذر، مثلاً لو فرت الشاة ولم يذهب الراعي لقبضها تكاسلاً واهمالاً يضمن حيث أنه يكون مقصراً وإن كان عدم ذهابه قد نشأ عن غلبة احتمال ضياع الشاة الباقيات عند ذهابه يكون معذوراً ولا يلزم الضمان. إنما الإشكال والمنع في المادتين الأخيرتين:

(مادة 610)

الأجير الخاص أمين حتى أنه لا يضمن المال الذي تلف في يده بغير صنعة، وكذا لا يضمن المال الذي يعمله بلا تعدٍ أيضاً.

(مادة 611)

الأجير المشترك يضمن الضرر والخسار الذي تولد عن فعله وصنعه إن كان بتقصيره أو لم يكن.

فإن الأجير الخاص إذا كان لا يضمن لأنه أمين فالأجير المشترك أمين فحقه أن لا يضمن أيضاً فما وجه التفصيل بالضمان بينهما؟ كما عرفته قريباً موضحاً.

وإلى هنا انتهت مواد (المجلة) من مباحث الإجارة وقد بقيت مسائل مهمة لم تتعرض لها أو أشارت إليها بصورة مجملة يلزم بيانها:

الأولى: إن صورة امتناع الانتفاع بالعين المأجورة وانواعه كثيرة وحيث أن أكثرها قد تقدم متفرقاً في عدة مواد وجدنا من حسن التحرير أن ننظم شتاتها في سلك واحد كعقد متلائم فنقول: إن امتناع تمام الانتفاع أما أن يكون لتلف العين أو لتعيبها أو لسبب آخر مع سلامتها.

أما التلف فإن كان سماوياً فهو موجب للفسخ بجميع أنواعه بعد القبض أو قبله في الاثناء أو قبل الشروع في الاستيفاء، غايته أنه لو كان في الأثناء وزعت الأجرة المسماة على الماضي والباقي بالنسبة فأخذ المستأجر حصة ما بقي ودفع للمؤجر حصة ما مضى ويمكن الفسخ في الجميع واحد بدل المثل عن الماضي، وإن كان بأتلاف متلف فإن كان هو المؤجر ضمن المثل أو القيمة للمستأجر ــ يعني قيمة المنفعة ــ ولو قيل أن للمستأجر الخيار بين الفسخ واسترداد الأجرة المسماة أو الامضاء وأخذ القيمة كان سديداً، وإن كان هو المستأجر ضمن العين ولزمته الأجرة المسماة وكان اتلافه بمنزلة الاستيفاء، وإن كان المتلف أجنبياً ضمن العين للمؤجر والمنفعة للمستأجر، أما في العمل فتبطل الإجارة مطلقاً لزوال الموضوع، وإن كان المانع هو العيب فهو موجب لخيار المستأجر مطلقاً سواء كان قبل العقد أو بعده قبل القبض أو بعده فلو فسخ في اثناء المدة دفع من الأجرة المسماة بالنسبة عمّا مضى، أما لو كان المانع غير التلف والعيب فأما أن يكون من المؤجر بأمتناعه من تسليم العين وعدم التمكن من جبره بحاكم أو نحوه أو سلمها ثم انتزعها أو حال بين المستأجر وبين الانتفاع فهو في الجميع ضامن للمنفعة بالمثل أو القيمة، ولو قيل بالخيار للمستأجر كان أصوب، وأما أن يكون من المستأجر فإن كان لعذر كمرض يمنعه الركوب مثلاً أو زوال مرض كما لو أستأجره على قلع ضرسه فزال الألم، وأمثال ذلك فالمسألة مشكلة والقول بالبطلان في الابتداء أو في الاثناء للتعذر وتنزيل العذر الخاص منزلة العام قريب جداً، وإن كان لا يخلو من نظر، أما لو تركها لا لعذر فقد لزمته الأجرة، وأما لو كان المانع أجنبياً كظالم أو غاصب أو غيرهما فإن كان قبل القبض تخير بين الرجوع على المؤجر بالأجرة أو الرجوع على الظالم بالبدل، وإن كان بعده فلا رجوع على المؤجر وتعين الرجوع على الأجنبي، وإن كان المانع عذراً عاماً كنزول ثلج أو قيام حرب وما إلى ذلك فالبطلان ابتداء أو في الأثناء وتتوزع الأجرة.

هذا هو التحرير الشافي المستوعب لجميع فروع القضية بأختصار، ويجوز أن يكون قد فاتنا شيء ولمن يستدركه علينا المحمدة والشكر وبالله التوفيق.

الثانية: لم تذكر (المجلة) بطلان الإجارة أو عدمه بموت المؤجر أو المستأجر مع أنها من مواضع الخلاف بين فقهاء المذاهب كأختلاف فقهائنا فيها، ولكن استقرت فتوى المتأخرين منّا على عدم بطلانها أصلاً بموت أحدهما ولا بموتهما وتنتقل الأجرة إلى ورثة المؤجر لو مات والمنفعة إلى ورثة المستأجر.

نعم، في الإجارة المفيدة بالمباشرة تبطل من حين الموت لا من أصلها وتتوزع الأجرة، وكذا لو آجر المرتزقة العين الموقوفة وقفاً ترتيبياً وماتوا في أثناء المدة فإن اجارتهم تبطل لأنتقال الحق إلى البطن اللاحق وملكيتهم محدودة، إلاَّ إذا كان ايجارهم لمصلحة الوقف فإنها تبقى إلى تمام مدتها، وكذا لو أوصى لرجل بالمنفعة مدة حياته ومات في اثناء الإجارة، أما الأجرة على العمل فلا تبقى بل يجب على الورثة الاتيان بالعمل المستأجر عليه، أما لو اشترط عمله بنفسه أو سكناه بذاته فمات فللمؤجر الخيار ولو كان على نحو التقييد بطلت، ولو آجر الولي الصبي مدة وبلغ في اثنائها وصار رشيداً فيحتمل البطلان في الزائد ويحتمل الصحة ويحتمل وقفها على الإجازة وهو الأقرب إلاَّ إذا كانت مصلحته في ذلك الوقت تقتضي إجارته تلك المدة المعينة فإنها تلزم ولا حق له في فسخها، ويشبه ذلك ما لو آجر العبد وأعتقه في اثناء المدة أو آجر الدار وباعها في الأثناء كما سيأتي أو آجرت المرأة نفسها ثم تزوجت فإن الجميع لازم لا فسخ فيه ونفقة العبد في تلك المدة، أما على المولى الذي استوفى منافعه فيها أو في كسبه إن أمكنه الكسب مع الخدمة أو على ذمته أو من بيت المال أو على المسلمين كفاية أو على مستأجره ويستوفيه منه بعد انتهاء المدة وهو الأقرب، أما الزوجة فنفقتها على الزوج مع التمكين وإن كانت الخدمة لغيره.

الثالثة: يجوز للمؤجر بيع العين المأجورة في أثناء مدة الإجارة فالمشتري يملك رقبة العين مسلوبة المنفعة تلك المدة والمستأجر يملك المنفعة ولا تزاحم بينهما، ولكن لو كان المشتري جاهلاً بالإجارة كان له الخيار لأنه نقص في العين معنى، وإن لم يكن نقصاً صورة وليس وهو عيباً ولذا ليس له المطالبة بالأرش بل أما الأمضاء وأما الفسخ كسائر الخيارات غير خيار العيب، ولو كان عالماً وأقدم فلا خيار، أما لو أعتقد أنها مثلاً سنة ثم بان أنها سنتان كان له الخيار على اشكال، ولو فسخ المستأجر رجعت المنفعة إلى البائع لا إلى المشتري.

نعم، لو اعتقد البائع والمشتري بقاء المدة ثم انكشف انقضاؤها فالأقوى أنها للمشتري لتبعية المنفعة للعين سواء شرطاً كونها مسلوبة المنفعة أو تبانياً عليه ولا يثبت للبائع خيار إلاَّ مع الغبن، هذا كله لو بيعت على غير المستأجر، أما لو بيعت عليه فهل تنفسخ الإجارة أم تبقى؟.

وجهان وتظهر الثمرة حينئذٍ في أمور:

أولها: استحقاق الأجرة والثمن معاً للبائع وعدمه.

ثانيها: بقاء ملكيته للمنفعة لو فسخ البيع بأحد اسبابه.

ثالثها: أرث الزوجة من المنفعة فيما لا ترث من عينه.

رابعها: رجوع المشتري بالأجرة لو تلفت العين قبل القبض وقل انقضاء مدة الإجارة فإن تلف العين في الإجارة يوجب الرجوع بالأجرة.

أما لو قلنا ببطلانها بالبيع فلا رجوع بل يرجع بالثمن فقط، ولو وقع البيع منه والإجارة من وكيله في وقت واحد فالأقوى صحتها معاً لقاعدة اعمال السببين ويثبت للمشتري الخيار.

الرابعة: إذا تبين بطلان الإجارة قبل استيفاء شيء فلا اشكال وإن كان بعد الاستيفاء كان للمالك المؤجر بدل المثل عمّا استوفاه المستأجر من المنفعة أو ما عمله من عمل، هذا إذا كان المؤجر جاهلاً، أما لو كان عالماً فالمشهور عندنا أنه لا شيء له لأنه بتسليمه مع علمه بالفساد قد سلطه وأسقط حرمة ماله وهذه عند اصحابنا قضية سيالة وقاعدة مطردة في كل ما هو من هذا القبيل، مثلاً لو سلم البائع المبيع مع علمه بفساد البيع فإن كان موجوداً أسترده، وإن أتلفه المشتري أسترد الثمن من البائع ولا يرجع عليه بشيء لأنه سلطه على اتلاف ماله، وعلى هذا السبيل نهجوا فيه سائر العقود، وهي لعمر الحق طريقة غير مستقيمة، بل عليلة سقيمة، فإن البائع هناك والمؤجر هنا ما سلطا المشتري والمستأجر على اتلاف المال مجاناً وإنما سلطاه بالعوض وكون الشارع لم يمض تلك المعاملة لا يقلب الواقع عمّا هو عليه من انهما لم يسلطا إلاَّ بالعوض.

وبالجملة فقاعدة احترام مال المسلم وأنه (لا يحل مال أمريء إلاَّ بطيب نفسه) تقتضي غرامة المال على من أتلفه إلاَّ مع التسليط المجاني المفقود في باب المعاوضات بالضرورة وإن كانت فاسدة فالحق عندنا الضمان بالبدل في جميع العقود الفاسدة حتى لو باع المسلم ماله بالخمر والخنزير وهكذا ذكروا في الأجرة وإن المستأجر إذا دفعها عالماً بالفساد فإن كانت موجودة أخذها وإن كانت تالفة وأتلفها المؤجر فلا رجوع والعامل إذا عمل في الإجارة الفاسدة قالوا: لا يستحق المسمى لفساد الإجارة ولا بدل المثل لأنه متبرع، وهذا عندي غريب لأن المتبرع هو الذي يقول أو يقصد أن يعمل بلا أجرة لا الذي يعمل بقصد الأجرة والشارع يفسدها  وأحكام الشارع بالصحة والفساد لا يقلب الموضوعات الخارجية عمّا هي عليه، فتدبره واغتنمه فإنه من نفائس التحقيق، وبالله التوفيق.

الخامسة: إن (المجلة) لم تتعرض لمسائل الخلاف والنزاع بين المستأجر والمؤجر مع أن مسائل الشجار بين المتعاقدين من أهم مباحث العقود سيّما في الإجارة لكثرة الوقوع وعموم البلوى ونحن نذكر ذلك على نحو الأختصار، والنزاع فيها يقع على أنحاء:

الأول: لو تنازعا في أصل الإجارة قدم قول منكرها بيمينه فإن كان قبل استيفاء شيء من المنفعة أو العمل فلا شيء وإن كان بعده أو بعد شيء منه فإن كان المنكر المالك كان له أجرة المثل، ولا يستحق الزائد عليها من المسمى الذي يدعيه مدعي الإجارة وإن وجب عليه باعترافه  وحسب اعتقاده أن يوصله إلى المالك ولو من حيث لا يعلم، وإن كان المنكر هو المتصرف قدم قوله ووجب عليه أن يدفع بدل المثل للمالك فإن زاد على المسمى الذي يدعيه لم يجز له أخذه ولزم على المتصرف أن يوصله إليه بأي نحو كان.

الثاني: لو اتفقا على أن المتصرف مأذون بأستيفاء المنفعة والمالك يدعي الإجارة والآخر يدعي العارية وأصالة الاحترام أي عدم البذل والأذن بلا عوض تقضي بتقديم قول الأول وأصالة براءة ذمة المتصرف تقضي بتقديم قوله فيتحالفان وتثبت بعده أجرة المثل على قاعدة باب التداعي.

الثالث: لو تنازعا في قدر الأجرة أو قدر المأجور أو مدة الإجارة أو في أصل الشرط أو في قدره يقدم قول منكر الزيادة ومنكر شرط مع يمينه إلاَّ إذا كان الشرط مما يقتضيه عقد الإجارة كالمحافظة على العين من لص أو ذئب ونحوه.

الرابع: لو تنازعا في تلف العين وعدمه قدم قول منكر التلف بيمينه على قاعدة المنكر والمدعي، ولكنهم قدموا هنا قول المستأجر إذا أدعى التلف لأنه أمين، ولو تنازعا أن التلف كان عن تعدٍ أو تفريط قدم أيضاً قول منكره مع اليمين أيضاً.

الخامس: لو تنازعا في أن المأجور هذه الدار أو تلك أو أنه دار أو دكان أو بغل أو فرس وهكذا، أو أن حمل المتاع إلى (بغداد) أو (البصرة) أو أن الخياطة على قباء أو قميص فكل ذلك من باب التداعي يتحالفان وتثبت أجرة المثل إن كان بعد العمل وإلاَّ فلا شيء.

نعم، لو أختلفت صورة الدعوى كما لو حمل المتاع إلى بلد فأنكر المالك أن يكون هو المستأجر عليه فالقول فوله بيمينه أو خاط الخياط القماش قميصاً فأنكر الإذن أو الإجارة على ذلك، فالقول أيضاً قوله ويضمن المتصرف كل نقص أو ضرر، أما لو كان قبل العمل فهو من التداعي كما ذكرنا.

السادس: لو تنازعا في صحة الإجارة أو فسادها بعد الاتفاق على وقوع العقد قدم قول مدعي الصحة كما في سائر العقود.

السابع: إذا أختلفا في رد العين المأجورة فمقتضى قضية أن المستأجر أمين أن يقدم قوله في الرد كما قدم في دعوى التلف وكلاهما خلاف الأصل ولكنهم هنا حكموا بتقديم قول المؤجر عملاً بأصالة عدم الرد أي استصحاب بقائها عند المؤجر ولم يعملوا بهذا الأصل في قضية التلف مع أن الأمانة في المقامين ثابتة، والأصل فيهما جارٍ واستخراج وجه الفرق بينهما يحتاج إلى مزيد تأمل.

الثامن: لو اختلفا في المال المردود فقال المستأجر هذا مالك، وقال المؤجر، ليس هذا مالي، فالقول قوله بيمينه وإن قال بل مالي ذلك الشيء كان من باب التداعي، وصور النزاع والخلاف كثيرة ربما يتعسر ضبطها على التفصيل ولكن (الضابطة) أنه كلما كان النزاع بالأقل والأكثر أو دائر بين النفي والاثبات فالقول قول منكر الأكثر وقول النافي لا المثبت، ومدعي الأكثر يحتاج إلى اثبات من بينة وغيرها إلاَّ إذا كان أميناً فيقدم قوله بيمينه وكل ما كان النزاع بين متباينين فهو باب التداعي والتحالف.

التاسع: مقتضى القواعد الأولية أن من أستؤجر على عمل كخياطة أو كتابة أو صوم أو صلاة لا يلزم المباشرة فيها إلاَّ مع الشرط وبقية شؤون هذه المباحث موكولة إلى (كتاب القضاء) كما أنه قد بقيت من (كتاب الإجارة عدة مسائل جد مهمة ذكرها فقهاؤنا في مؤلفاتهم المتوسطة فضلاً عن الموسوعات رأينا أن ذكرها يخرج بنا إلى البسط الذي ربما لا يكون مرغوباً في هذه العصور التي توفرت فيها العلوم، وتكثرت الفنون، وازدحمت الأعمال، حتى ضاق مجال الفكر والخيال، على سعته عن استيعابها، ولنكتف بهذا المقدار من باحث الإجارة سائلين الحق جلَّ شأنه أن يوفقنا لتحرير باقي كتب (المجلة) بمنه وكرمه.

اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير

ويتلوه كتاب الكفالة إن شاء الله

الكتاب الثالث

في الكفالة

(ويشتمل على مقدمة وثلاثة أبواب)

المقدمة

في الاصطلاحات الفقهية الدائرة بالكفالة

(مادة 612)

الكفالة ضم ذمة إلى ذمة، في مطالبة شيء يعني أن يضم أحد ذاته إلى ذات آخر ويلتزم أيضاً المطالبة التي لزمت في حق ذلك.

قد أجهد نفسه هذا المعرف ليفصح عن المعنى المقصود فلم يستطع وبقيت العبارة معقدة غير وافية بالمراد.

وتحرير البحث إن فقهائنا يعبرون عن هذا الكتاب (بكتاب الضمان) ويخصون (كتاب الكفالة) بتعهد النفس، واحضار الشخص، أما تعهد المال فهو الضمان، وعرفت في (الجزء الأول) إن الضمان يستعمل في لسان الشرع أو المتشرعة في معنيين:

الأول: غرامة التالف ومنه (من أتلف مال غيره فهو له ضامن)، وقول الحنفية: (الأجر والضمان لا يجتمعان).

الثاني: ضم ذمة إلى ذمة، أي جعل ذمة مشغولة بما اشتغلت به ذمة أخرى، بحيث يصير لصاحب الحق مطالبة أيهما شاء، وأيهما دفع تبرء ذمته وذمة الآخر، هذا عند فقهاء الذاهب.

أما عند الإمامية فهو نقل المال من ذمة إلى أخرى بحيث تبرء ذمة الأول وتبقى ذمة الآخر هي مشغولة، وقد اوضحنا لك فيما سبق إن الجميع يرجع إلى معنى واحد، وأصل حقيقة الضمان هو العهدة والتعهد، فغرامة التالف عبارة عن دخول البدل في عهدة المتلف وأشتغال ذمته به وهو ضمان العهدة وضم ذمة إلى أخرى أو نقل المال من ذمة إلى ذمة وهو جعل الحق في عهدته أما معاً على سبيل البدلية كما عند القوم، أو نقلاً وتحويلاً كما عند الإمامية، وكفالة النفس أيضاً ترجع أيضاً إلى ضمان العهدة يعني انك تتعهد بأحضار الشخص في الوقت المعين أو متى شاء صاحب الحق كما في:

(مادة 613)

الكفالة بالنفس هي الكفالة بشخص واحد، وما بعدها من (مادة 614) إلى (مادة 620) مكررات واضحات، و(مادة 617) سيأتي تفصيلها في (مادتي 623 و624).

والخلاصة إن الكفالة أي الضمان نسبة وإضافة تتقوم بأربعة أطراف:

1- الكفيل: وهو الضامن المتعهد.

2- المكفول: وهو المضمون عنه أو معه.

3- المكفول له: وهو صاحب الحق المضمون ويعبر عنه بالمضمون له.

4- الحق المضمون: وهو المال أو النفس.

وهي عند أصحابنا عقد يتوقف على الإيجاب من الضامن والقبول من المضمون له وهو صاحب الحق، أما المضمون عنه أي من عليه الحق فقيل: يعتبر قبوله أيضاً فتتقوم بإيجاب وقبولين، وقيل: لا يعتبر، أما عند أصحاب (المجلة) فيكفي إيجاب الكفيل كما سيأتي.

الباب الأول

في عقد الكفالة

ويحتوي على فصلين:

الفصل الأول

في ركن الكفالة

(مادة 621)

تنعقد الكفالة وتنفذ بإيجاب الكفيل فقط، ولكن إن شاء المكفول له ردها فله ذلك وتبقى الكفالة ما لم يردها المكفول له بهذه الصورة لو كفل أحد وطلب المكفول له في غيابه ومات قبل وصول خبر الكفالة إليه ويطالب الكفيل بكفالته هذه ويؤاخذ بها.

ذهب جماعة من متأخري فقهائنا إلى كفاية الإيجاب وعدم لزوم القبول العقدي من المضمون له أي المكفول له بل يكفي رضاه سابقاً أو لاحقاً أو مقارناً وحينئذٍ فلا يلزم فيه ما يلزم في سائر العقود اللازمة من صيغة خاصة وتوالي الإيجاب والقبول وغير ذلك، وهذا هو المعنى المعقول ولعله هو مراد أرباب (المجلة) وإن كانت العبارة قاصرة عنه فإن رضا صاحب الحق أي المكفول له لابد منه ولا يكفي عدم رده ولا يلزم الكفيل بها مع عدم احراز رضا المكفول له فلو مات قبل العلم برضاه، فالكفيل غير مشغول الذمة وقولهم: إن الكفيل يطالب بكفالته ويؤاخذ بها غير سديد كما هو واضح بأقل تأمل، بل قد يكون في بعض الظروف والاعتبارات رضا المكفول أي المضمون عنه معتبراً أيضاً كما لو كان من ذوي الشأن ويكون عليه حزازة في ضمان هذا الضامن الذي هو أحط منه درجة عند الناس فلا ينتقل الحق من ذمته إلاَّ برضاه.

(مادة 622)

إيجاب الكفيل يعني ألفاظ الكفالة هي الكلمات التي تدل على التعهد وإلالتزام في العرف والعادة مثلاً لو قال كفلت أو أنا كفيل أو ضامن الكفالة، عقد الضمان أو الكفالة له صيغ خاصة تدل عليه صراحة وبالمطابقة وهي ــ كفلت وضمنت، وأنا متعهد وأنا ضامن ــ وله صيغ تدل عليه الإلتزام كقوله: حقك على فلان هو علي وأنا مشغول لك به، وأشباه هذا، والجميع كافٍ على حد سائر العقود اللازمة عندهم وإن كان الأحوط بل الأقوى لزوم الاقتصار على الصيغ الصريحة أو القريبة منها.

أما المجازات البعيدة واستعمال ألفاظ عقد في آخر كما لو أستعمل لفظ الحوالة وأراد منه الكفالة بقرينة أم بغير قرينة فالأصح عدم انعقاد تلك المعاملات الخاصة بها وعدم تحقق تلك الحقائق بأستعمالها.

(مادة 623)

تكون الكفالة بالوعد المطلق أيضاً، أنظر (مادة 84) مثلاً لو قال: إن لم يعطك فلان طلبك فأنا أعطيك تكون كفالة، فلو لم يعطه يطالب الكفيل.

ذكرنا في تلك المادة إن المواعيد عندنا غير لازمة. نعم، يستحب الوفاء بالوعد استحباباً شرعياً ويجب الوفاء به وجوباً أخلاقياً. فقوله: إن لم يعطك فلان فأنا أعطيك، وعد لا إلتزام ولا عقد لازم وليس بكفالة ولا ضمان إنما الضمان أن يقول: أنا ملتزم أو متعهد أو ضامن وما إلى ذلك من الألفاظ الصريحة بالعهدة واشغال الذمة.

هذا فساد من هذه الناحية وفساد من ناحية أخرى وهي أن العقود اللازمة بل مطلقاً عند الفقهاء لا تحتمل التعليق سيّما الضمان فلا يصلح أن يقول: أنا ضامن أن أرضي أبي، وأنا ضامن إن لم يعطك المديون، بل يشترطون في الضمان التنجيز كما سيأتي، وأستدلوا له بالإجماع تارة ــ وتحققه غير معلوم ــ وبمنافاة العقد للتعليق أخرى لأن أثر العقد يلزم أن يكون متصلاً به غير منفك عنه، وفيه أن الأثر الخاص ــ أعني الالتزام أو التعهد ــ في ذلك التقدير أيضاً متصل بالعقد غير منفك عنه فكما يجوز التوقيت في الضمان كقوله: أنا ضامن بعد شهر أو بعد سنة، يلزم جواز أنا ضامن أن أقبل أبي أو إن لم يعطك غريمك فيكون نظير ضمان العهدة في الأعيان فإنه في الحقيقة ضمان معلق على التلف كما مرّت الإشارة إليه في قاعدة اليد فتدبره.

وإلى الضمان المؤقت أشارت:

(مادة 624)

لو قال: أنا كفيل من اليوم إلى الوقت الفلاني تنعقد منجزة حال كونها كفالة مؤقتة.

(مادة 625)

كما تنعقد الكفالة مطلقة تنعقد بقيد التعجيل والتأجيل، يعني مقيدة بالحال أو بالوقت الفلاني.

كل ذلك لأطلاق أدلتها المقتضي لجوازه كما يقتضي جواز تعدد الكفلاء عرضيين كما لو كفل شخصاً واحداً جماعة، وطوليين كما لو كفل الكفيل كفيل وهكذا، ويكون حال أولئك وهؤلاء حال الواجب الكفائي أن أدى واحد سقط عن الجميع وإلاَّ فالجميع ذممهم مشغولة على نحو البدلية وكما في تعاقب الأيدي على العين الواحدة كما حقق في محله وإليه اشار بــ:

(مادة 626)

يصح أن يكون للكفيل كفيل.


 

 (مادة 627)

يجوز تعدد الكفلاء.

الفصل الثاني

في بيان شرائط الكفالة

(مادة 628)

يشترط في انعقاد الكفالة كون الكفيل عاقلاً وبالغاً بناء عليه لا تصح كفالة المجنون والمعتوه والصبي، ولو كفل حال صبوته وأقرَّ بها بعد البلوغ لم يؤاخذ بها.

العقل والبلوغ ــ بل والرشد ــ عندنا من الشرائط العامة التي لا يصح عقد إلاَّ بأجتماعها، وأما أرباب (المجلة) فقد أكتفوا ــ في صحة البيع والإجارة وهما من أقوى العقود اللازمة وأكثرها تداولاً ــ بالعقل والتمييز فقط أي لم يعتبروا البلوغ فأعتباره هنا وعدم اعتباره هناك لا يخلوا من غرابة.

وعلى كلٍ فيشترط في صحة الكفالة أي الضمان:

1- الإيجاب والقبول.

2- صدورهما من عاقل بالغ.

3- كونه مختاراً فلا أثر لضمان المكره.

4- غير محجور عليه لسفه، أما الحجر عليه لفلس فلا يمنع، لأن الحجر في الفلس يتعلق بمنعه من التصرف في أعيان أمواله لا في ذمته فهو كما لو اقترض على ذمته، وكذا يشترط عدم كون المضمون له مفلساً أو سفيهاً أما المضمون فلا يشترط فيه شيء من ذلك.

5- أن لا يكون مملوكاً غير مأذون من مولاه، وعن بعض فقهائنا جواز ضمانه مطلقاً كجواز دينه ويتبع به بعد العتق، ونفي القدرة عنه في قوله تعالى: [عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ] منصرف إلى الأعمال المنافية لحق المولى وليس هذا القول وإن كان المشهور على خلافه ببعيد، ولو أذن له المولى وعين في ماله أو مال عبده، إن قلنا بأنه يملك أو في ذمته تعين، وإن أطلق ففي كونه على المولى أو على ذمة العبد يتبع به بعد العتق أو في كسبه فعلاً وجوه أوجهها الأول لأن الأذن في الشيء أذن في لوازمه بعد أن كان العبد لا مال له أصلاً أو محجور عليه فهو كما لو أذن له بالتزويج حيث أن المهر والنفقة على المولى وإن لم يقيد وكما لو أذن له في الاستدانة لنفقته ودعوى الفرق ممنوعة.

6- التنجيز عند المشهور فلو علق الضمان على شرط بطل عندهم أما لو علقه على وصف أي على أمر محقق الوقوع كالتوقيت صحَّ، وقد عرفت التحقيق قريباً.

7- كون المضمون حقاً ثابتاً في ذمة المضمون عنه سواء كان مستقراً كالقرض والعوضين في البيع المنجز، أو متزلزلاً كأحد العوضين في البيع الخياري وكالمهر قبل الدخول فلو قال: أقرض فلاناً وأنا ضامن أو بعه نسيئة بضماني لم يصح عند المشهور بل أدعي الإجماع عندنا على بطلان قوله: مهما اقرضت فلاناً فهو في ضماني مع أنهم اتفقوا ظاهراً على الصحة فيما لو قال عند خوف غرق السفينة: ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه، وذهب جماعة إلى صحة ضمان مال الجعالة قبل العمل مع أنه حق غير ثابت فالأقوى كفاية مقتضي الثبوت وعليه فيصح ضمان النفقة المستقبلة للزوجة لأن نفس الزوجية تقتضي ثبوتها وإن لم يثبت فعلاً بل يمكن القول بما هو أوسع وهو ضمان الأعيان وعدم قصره على الحق الثابت في الذمة فيصح ضمان العين المغصوبة والمقبوض بالسوم وبالعقد الفاسد وضمان درك الثمن لو ظهر المبيع مستحقاً ودرك المبيع لو ظهر الثمن مستحقاً، وكل هذا من ضمان العهدة المستفاد من قاعدة اليد فيتلاقى الضمانان ــ ضمان العقد وضمان اليد ــ في أصل واحد وفسيلة فاردة.

8- أن لا يكون الضامن مشغول الذمة للمضمون عنه بمثل المال المضمون فإنهم ذكروا: إن التعهد أما بمال أو بنفس والثاني هو الكفالة والأول ــ أما من برئ ــ وهو الضمان ــ وأما من مشغول الذمة وهو الحوالة.

ويمكن الخدشة فيه بأن ملاك الفرق بين الضمان والحوالة ليس هو البراءة والاشتغال بل أن المتعهد أن ابتدء بالتعهد ولو بأذن المتعهد عنه فهو ضمان سواء كان مشغولاً أو برئياً وإن كان بتوجيه المتعهد عنه ماله من الحق إلى غيره فهو الحوالة.

والحاصل، إن الضمان والحوالة معنيان متباينان بحسب الجوهر وإن اشتركا في بعض اللوازم فالضمان تعهد أعم من أن يكون بطلب أو ابتداء وإن كان الغالب الثاني، والحوالة توجيه وتسليط على ذمة الغير فذاك تعهد ذمة لأخرى وهذه تسليط ذمة على ذمة فتدبره فإنه لا يخلو من دقة، وحينئذٍ فلو ضمن مشغول الذمة فإن كان بأذن المضمون عنه وبمثل ماله من الحق حصل التهاتر القهري وإلاَّ فالحق باقٍ في ذمته كما في الضمان التبرعي.

9- أن لا يكون في المضمون له والحق المضمون والمضمون عنه ترديد عند الضامن وأبهام فلا يصح أن يضمن أحد الدينين ولو لشخص واحد أو على واحد ولا أحد الشخصين ولو عن دين واحد، ولكن لا يلزم معرفة الدين ومقداره ولا معرفة المضمون له أو المضمون عنه بشخصه بل يكفي المعرفة الإجمالية والإشارة إلى واقعه على ما هو عليه وإن لم يعلمه الضامن تفصيلاً فيصح لو قال: ضمنت ما عليك من دين وإن لم يعلم قدره ولا من له الدين كما يجوز أن يقول ضمنت مالك على الناس من ديون أو كل من له دين على زيد فأنا ضامن له وهكذا وإليه أشارت (المجلة) في:

(مادة 630)

إن كان المكفول به نفساً يشترط أن يكون معلوماً وإن كان مالاً لا يشترط أن يكون معلوماً بناء عليه لو قال: أنا كفيل عن دين فلان الذي هو على فلان تصح الكفالة وإن لم يكن مقداره معلوماً، بل قد عرفت صحة ما هو أوسع من هذا في الجهالة.

والضابطة للصحة أن يقصد شيئاً له واقع يشير إليه ولو إجمالاً بخلاف ما لو لم يكن له واقع معين كأحد الدينين أو أحد الشخصين فإن واقعه الترديد لا التعيين.

وإلى الشرط السابع أشارت (المجلة) بـ:

(مادة 631)

يشترط في الكفالة بالمال أن يكون المال المكفول به مضموناً على الأصيل يعني أن ايفائه يلزم الأصيل بناء عليه تصح الكفالة بثمن المبيع وبدل الإجارة وسائر الديون الصحيحة كذلك تصح الكفالة بالمال المغصوب، يتضح لكَ من تحريرنا القريب ضعف هذا البيان الذي لم يميز فيه بين ضمان الذمم والأعيان فإن ثمن المبيع تارة يكون كلياً وهو المورد المتفق على صحة ضمانه وأخرى يكون شخصياً وهو مما لا معنى لضمانه عند المشهور من الفريقين إذ لا وجه عندهم لضمان العين الموجودة في الخارج ولكننا قد خرجنا لضمانها وجهاً على نحو ضمان اليد في المغصوب ونحوه الذي يتضمن نوعاً من التعليق محصله وجوب رد العين مع وجودها، ورد بدلها مع فقدها.

وقد أشارت (المجلة) هنا إلى ضمان الدين صريحاً وضمان العين بذكر المغصوب وبقي بدل الإجارة وثمن المبيع صالحاً للأمرين ووافقت المشهور عندنا في لزوم كون المضمون حقاً ثابتاً فعلياً ولا يكفي الاقتضاء والاستعداد.

ويتحصل منها إن ضابطة ما يصح ضمانه ــ الدين الثابت في الذمة أو العين المضمونة ــ ضمان يد أو ضمان معاوضة فتخرج الأمانات لأنها غير مضمونة أصلاً كالعارية والرهن فضلاً عن الوديعة والإجارة، وكذلك يخرج المبيع قبل القبض فأنه في ضمان البائع فلا دين ولا يد.

نعم، يصح ضمانه بمعنى أوسع وهو التعهد بتسليمه ولو أتلف الأمين الأمانة وأشتغلت ذمته بيد لها صحَّ الضمان لأنه دين، وبهذا يتضح بقية ما في هذه المادة من الأمثلة حيث تقول: وكذلك تصح الكفالة بالمال المقبوض على طريق سوم الشراء إن كان قد سمي ثمنه ــ وهذا من قبيل ضمان العين ــ ولكن لا تصح الكفالة بعين المبيع قبل القبض لأنه لو تلف عين المبيع في يد البائع ينفسخ البيع ولا يكون مضموناً على البائع إلاَّ أنه يلزم عليه ردَّ ثمنه إن كان قد قبضه، وكذلك لا تصح الكفالة بعين المال المرهون والمستعار وسائر الأمانات لكونها غير مضمونة على الأصيل، ولكن بعد أضاعة المكفول عن هؤلاء واستهلاكها لو قال: أنا كفيل، تصح الكفالة وأيضاً تصح الكفالة بتسليم هؤلاء وبتسليم المبيع وعند المطالبة لو لم يكن للكفيل حق حبسها من جهة يكون مجبوراً على تسليمها إلاَّ أنه كما أن في الكفالة بالنفس يبرأ الكفيل بوفاة المكفول به كذلك لو تلفت هذه المذكورات لا يلزم الكفيل شيء.

 (مادة 632)

لا تجري النيابة في العقوبات بناء عليه لا تصح الكفالة بالقصاص وسائر العقوبات والمجازات الشخصية، ولكن تصح الكفالة بالأرش والدية الذين يلزمان الجارح والقاتل.

يعني أن مورد الكفالة أما مال أو نفس أما القصاص والحدود فهي حقوق إلهية وأحكام شرعية ولا معنى لضمانها.

نعم، يتصور فيها ضمان الشخص وتسليمه لأقامة الحد عليه أو القصاص فيكون من ضمان النفس ولا مانع منه وأن لم يصرحوا به، ولكن تصح الكفالة بالأرش قطعاً والدية الذين يلزمان القاتل والجارح لأنهما مال والذمة مشغولة به وأن كان سببه الجناية.

(مادة 633)

لا يشترط يسار المكفول عنه وتصح الكفالة عن المفلس أيضاً

هذا مما لا كلام فيه ولا حاجة إلى بيانه إنما الكلام في اعتبار يسار الكفيل ــ أي الضامن ــ ولكن مع رضا المضمون له يسقط هذا البحث، ولكن لو كان معسراً أو مفلساً ورضي المضمون له به لعدم علمه بفقره وفلسه لا يبعد بل المتعين، أن يكون له الخيار.

الباب الثاني

في بيان أحكام الكفالة

ويحتوي على ثلاثة فصول:

الفصل الأول

في بيان حكم الكفالة المنجزة والمعلقة والمضافة

(مادة 634)

حكم الكفالة هو المطالبة يعني للمكفول له حق مطالبة المكفول به من الكفيل

على البدل كما هو عند فقهاء المذاهب، وعلى التعيين عند الأمامية لأن حكم الضمان الصحيح أي الكفالة براءة المضمون عنه من الحق واشتغال ذمة الضامن به.

(مادة 635)

يطالب الكفيل في الكفالة المنجزة حالاً إن كان الدين معجلاً في حق الأصيل وعند ختام المدة المعينة إن كان مؤجلاً مثلاً لو قال أحد: أنا كفيل عن دين فلان. فللدائن أن يطالب الكفيل في الحال إن كان معجلاً وعند ختام مدته إن كان مؤجلاً.

وهذا ــ أي مطابقة الضمان للدين ــ واضح غني عن البيان وإنما الحري بالذكر جواز المخالفة فيجوز ضمان المؤجل حالاً وضمان الحال مؤجلاً بذلك الأجل أو أنقص أو أزيد كل ذلك لأطلاق أدلة الضمان فلا وجه لما يحكى عن بعضهم من اعتبار الأجل في الضمان كالسلم وعدم صحته حالاً، ولا لقول آخر من أنه لا يصح ضمان المؤجل لأنه من ضمان ما لم يجب.

(مادة 636)

أما في الكفالة التي أنعقدت مضافة إلى زمان مستقبل أو معلقة بشرط فلا يطالب الكفيل ما لم يحل الزمان أو يتحقق الشرط مثلاً لو قال: إن لم يعطك فلان طلبك فأنا كفيل بأدائه، تنعقد الكفالة مشروطة وعند المطالبة إن لم يعطه ذلك الرجل دينه يطالب الكفيل وإلاَّ لا يطالب الكفيل قبل المطالبة من الأصيل كذا لو قال: إن سرق فلان مالك فأنا ضامن، تصح الكفالة وإن ثبتت سرقة ذلك الرجل يطالب الكفيل، وكذا لو كفل بشرط أن يمهل كذا أياماً أعتباراً من الوقت الذي يطالب المكفول له وأمهل من وقت المطالبة مقدار تلك الأيام فللمكفول له أن يطالب الكفيل بعد مرور الأيام المذكورة أي وقت شاء، وكذا لو قال: أنا كفيل بطلبك الذي يثبت في ذمة فلان أو بالمبلغ الذي ستقرضه فلاناً أو بالشيء الذي يغصبه فلان وبثمن المال الذي ستبيعه لفلان، فلا يطالب الكفيل إلاَّ بعد تحقق هذه الأحوال يعني لا يطالب الكفيل إلاَّ بعد ثبوت الطلب والاقراض وتحقق الغصب ووقوع البيع والتسليم، وكذا لو قال: أنا كفيل بأحضار فلان في اليوم الفلاني لا يطالب الكفيل بأحضار المكفول به قبل حلول ذلك اليوم.

أكثر هذه الأمثلة المذكورة في هذه المادة هي من باب ضمان ما لم يجب، والمشهور عند فقهائنا بطلانها جميعاً والتحقيق فيها التفصيل فمثل قوله: إن لم يعطك طلبك فأنا ضامن، صحيح، ومثل قوله: إن سرق فلان مالك فأنا ضامن. أو بالمبلغ الذي ستقرضه فلاناً أو بالشيء الذي يغصبه فلان وبثمن المال الذي ستبيعه لفلان ــ كلها باطلة ولا أثر لها حتى بعد القبض والغصب والبيع والسرقة فإن لم يكن ثابتاً وقت الضمان لا حقيقة وفعلاً، ولا اقتضاء وقوة بخلاف الضمان بعد البيع والضمان على فرض عدم الدفع أو ضمان درك الثمن على فرض ظهور استحقاق المبيع وأمثالها مما يكون الحق بين ما هو ثابت فعلاً أي حين الضمان وبين ما هو ثابت بالقوة لتحقق مقتضيه وهو البيع المقتضي لضمان الدرك.

(مادة 637)

يلزم عند تحقق الشرط تحقق الوصف والقيد أيضاً مثلاً لو قال كلما حكم على فلان فأنا كفيل بأدائه وأقرَّ ذلك بكذا دراهم لا يلزم اداء الكفيل ذلك ما لم يلحقه حكم الحاكم.

(مادة 638)

في الكفالة بالدرك لو ظهر للمبيع مستحق لا يؤخذ الكفيل ما لم يحكم بعد المحاكمة على البائع برد الثمن.

(مادة 639)

لا يطالب الكفيل في الكفالة المؤقتة إلاَّ في ظرف مدة الكفالة مثلاً لو قال أنا كفيل من هذا اليوم إلى شهر لا يطالب الكفيل إلاَّ في ظرف هذا الشهر وبعد مروره يبرأ من الكفالة.

هذا الحكم إنما يتم بناء على أن الضمان ضم ذمة إلى ذمة أما بناء على أنه نقل المال من ذمة إلى أخرى بحيث تبرأ الذمة الأولى بمجرد تحقق الضمان فلا يتم بل لا يتحصل له معنى كما هو واضح.

نعم، يتصور التوقيت على الطريقة الثانية بمعنى استحقاق المطالبة وتنجز الحق لا بمعنى أنه بعد مرور المدة يبرء من الكفالة وإن لم يدفع فتدبره.

(مادة 640)

ليس للكفيل أن يخرج من الكفالة بعد انعقادها، ولكن له ذلك قبل ترتب الدين في ذمة المديون في الكفالة المعلقة والمضافة، مثلاً كما أنه ليس لمن كفل أحداً عن دينه منجزاً أن يخرج من الكفالة كذلك لو قال: كلما يثبت لك دين في ذمة فلان فأنا كفيله.

تريد هذه المادة بيان حال عقد الكفالة من حيث الجواز واللزوم وأن هل للكفيل الخروج والتخلي بعد انعقادها، وتحرير هذه الناحية إن عقد الضمان من العقود اللازمة من طرف الضامن والمضمون عنه سواء كان بأذنه أو لا.

نعم، قد عرفت قريباً إن المضمون له إذا كان غير عالم بأعسار الضامن حين الضمان كان له الفسخ كما أنه لو اشترط الضامن أو المضمون له أو هما معاً الخيار صحَّ على نحو لا يوجب الغرر والجهالة لعموم أدلة الشروط والمدار على اليسار والأعسار حال عقد الضمان فلو كان معسراً في ذلك الحال ثم أيسر لم يسقط الخيار ولو أنعكس الأمر لم يكن له خيار.

هذا بعد تحقق الدين وصحة الضمان، أما المذكور في المتن من الكفالة المعلقة التي هي قبل ترتب الدين فهي باطلة عندنا كما عرفت قريباً، وعلى تقدير صحتها فيلزم الاطراد في منجزها ومعلقها ومضافها والحكم في اللزوم في بعض، والجواز في آخر تحكم لا وجه له سوى الاستحسان.

وأي فرق في قوله: كلما يثبت لك دين في ذمة فلان فأنا كفيله بين أن يكون الدين ثابتاً فلا رجوع أو يثبت مؤخراً فيجوز الرجوع فليتدبر.

(مادة 641)

من كان كفيلاً برد المال المغصوب أو المستعار وتسليمهما لو سلمهما إلى صاحبهما يرجع بأجرة نقليتهما على الغاضب والمستعير.

هذا في صورة الإطلاق أما مع التقييد والانصراف فلا.


 

الفصل الثاني

في بيان حكم الكفالة بالنفس

(مادة 642)

حكم الكفالة بالنفس هو عبارة عن احضار المكفول به أي لأي وقت كان قد شرط تسليم المكفول به يلزم أحضاره على الكفيل بطلب المكفول له ذلك الوقت فأن أحضره فيها وإلاَّ يجبر على احضاره.

هذه العبارة كما ترى على طورها مختلة التركيب متفككة كعبارة تركية أو هندية، وحق البيان أن يقال: أن الكفالة بالنفس عبارة عن التعهد والالتزام بأحضار إنسان في وقت معين أو عند طلبه من إنسان آخر ويحصل بالإيجاب من الكفيل والقبول من المكفول له ويشترط فيه ما يشترط في غيره من صدورهما من بالغين رشيدين مختارين غير سفيهين وفي الفلس وجهان يظهر أن بالتأمل ويعتبر رضا الكفيل والمكفول له قطعاً بل ورضا المكفول على الأحوط بل الأقوى وإذا تمَّ هذا العقد كان أثره وجوب أحضار الكفيل المكفول في الوقت المعين، أو ما عليه من الحق إن أمكن في المكان المعين أو في بلد الكفالة مع الاطلاق ولو امتنع أجبره الحاكم ولو سلم المكفول نفسه أو مات أو أبرئه المكفول له سقطت الكفالة.

هذا موجز ما ينبغي أن يقال في عقد الكفالة وهنا تفاصيل وبحوث لا يتسع لها المجال.

الفصل الثالث

في بيان أحكام الكفالة بالمال

(مادة 643)

الكفيل ضامن

يعني أنه متعهد بدفع المال أما مطلقاً كما هو عندنا أو على البدل كما هو عندهم.

(مادة 644)

الطالب مخير في مطالبته إن شاء طالب الأصيل وإن شاء طالب الكفيل ومطالبته من أحدهما لا يسقط حق مطالبته من الآخر وبعد مطالبته من أحدهما له أن يطالب الآخر ومنهما معاً.

فيها من سوء البيان والتكرار الواهن ما يمجه الذوق العربي، وهذا من لوازم الكفالة بالمعنى المعروف عند القوم من كونها عبارة عن ضمَّ ذمة إلى أخرى، أما بالمعنى الذي عندنا فلا مال لهذا القول ولا حق له إلاَّ بمطالبة الكفيل أما الأصيل فقد برء تماماً، وقوله ومنهما معاً ــ أي على أن يدفع له أحدهما لا أن يدفعا معاً كما هو واضح.

(مادة 645)

لو كفل أحد المبالغ التي لزمت ذمة الكفيل بالمال حسب كفالته فللدائن أن يطالب من شاء منهما.

هذا أيضاً من لوازم صحة ترامي الكفالة، فلو كفل الكفيل كفيل آخر كان للمكفول له مطالبة من شاء منهما وهذا واضح بعد البناء على أنها ذمم ينضم بعضها إلى بعض واللاحق لا يسقط السابق، وعيه يتفرع أيضاً:

(مادة 646)

المديونون من جهة الاشتراك لو كان كل واحد منهم كفيلاً للآخر يطالب كل منهم بمجموع الدين، أي للمكفول له مطالبة كل واحد بمجموع الدين فإن كل واحد بكفالته قد صيّر الدين كله في ذمته.

(مادة 647)

لو كان لدين كفلاء متعددة فإن كان كل منهم قد كفل على حده يطالب كل منهم بمجموع الدين وإن كانوا قد كفلوا معاً يطالب كل منهم بمقدار حصته من الدين، ولكن لو كان قد كفل كل منهم المبلغ الذي لزم في ذمة الآخر فعلى هذا الحال يطالب كل منهم بمجموع الدين، مثلاً لو كفل أحد آخر بألف ثم كفل ذلك المبلغ غيره أيضاً فللدائن أن يطالب من شاء منهما، وأما لو كفلا معاً يطالب كل منهما بنصف المبلغ المذكور إلاَّ أن يكون كل منهما قد كفل المبلغ الذي لزم ذمة الآخر، فعلى ذلك الحال يطالب كل منهما بالألف.

هذه المادة أيضاً مختلة البيان مع التطويل والتكرير المخل، وتحرير هذا البحث إن تعدد الكفلاء أما أن يكون على نحو العموم الافرادي البدلي نحو جئني بأي رجل كان، أو على نحو العموم المجموعي نحو وزع هذه المائة على هؤلاء العشرة، أو على نحو العموم الترتيبي مثل خصال الكفارة المرتبة، وعلى النحو الأول يتجه ما ذكرته (المجلة) بقولها: فإن كان كل منهم قد كفل على حدة يطالب أي المكفول له كلاً منهم بمجموع الدين يعني على سبيل البدل، وعلى النحو الثاني ينطبق قولها: وإن كانوا قد كفلوا معاً يطالب كلاً منهم بمقار حصته من الدين أي يتوزع الدين عليهم بالحصص.

وإلى هنا كمل بيان القسمين وما بقى في هذه المادة تكرار وإعادة لهما مع تطويل ممل وبلا فائدة كما هو واضح بأدنى مراجعة، ويبقى القسم الثالث لم تشر إليه أصلاً وهو العموم الترتيبي وهو ما لو قال كل واحد منهم: أنا كفيل لفلان إن لم يدفع هو، أو أن لم يدفع كفيله إلى الوقت الفلاني وهكذا وهذا هو الضمان المتسلسل المترتب وقد يدور حتى يرجع إلى الأول فتدبر.

(مادة 648)

لو أشترط في الكفالة براءة الأصيل تنقلب إلى الحوالة

يعني يشترط الضامن في الضمان على المضمون له أن يبرأ ذمة المضمون عنه الأصيل تبرأ وتنقلب الكفالة حوالة لأنها تحويل المال من ذمة إلى ذمة وهذا على مذهب الجماعة واضح أما على مذهب الأصحاب فهذا الشرط تأكيد لا تأسيس لأن طبيعة الكفالة ــ أي الضمان تقتضي ذلك بذاتها ولو لم يشترط، ولا تنقلب إلى الحوالة لأن الحوالة عند المشهور لدى فقهائنا تحويل المال من ذمة مشغولة إلى ذمة أخرى بخلاف الضمان فإنه تحويل إلى ذمة فارغة، وقد مرت الإشارة إلى انتقاد هذا الرأي وسيأتي أيضاً تحقيقه في الحوالة إن شاء الله.

ومما ذكرنا تتضح وجهة البحث في:

(مادة 649)

الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة بناء عليه.. إلى آخره، فإنه يصح عندهم ويكون كفالة أي ضماناً ولا يصح عندنا لأن لازم الحوالة براءة المحيل ولازم الضمان أن يكون الضامن غير مديون.

(مادة 650)

لو كفل أحد دين أحد على أن يؤديه من المال المودع عنده يجوز ويجبر الكفيل على اداءه من ذلك المال ولو تلف المال لا يلزم الكفيل شيء، ولكن لورد ذلك المودع بعد الكفالة يكون ضامناً.

تطبيق هذا الفرع على القواعد المحكمة، والعقود المقررة المعروفة مشكل وباب الضمان وأخواته من الكفالة والحوالة هو تعهد الذمم على نحو الكلي لا التعهد في المال المعين الخارجي ويشبه أن يكون توكيلاً من المودع للودعي أن يفي دينه من وديعته التي عنده فلو تلفت الوديعة فالدين باقٍ والكفيل ــ أي الوكيل ــ لا شيء عليه طبعاً إلاَّ مع التعدي أو التفريط.

(مادة 651)

لو كفل أحد آخر عن نفسه على أن يحضره في الوقت الفلاني وإن لم يحضره في الوقت المذكور فعليه أداء دينه فإذا لم يحضره في الوقت المعين المذكور يلزمه أداء ذلك الدين، وإذا توفى الوكيل فإن سلمت الورثة المكفول به إلى الوقت المعين أو المكفول به أن سلم نفسه من جهة الكفالة لا يترتب على طرف الكفيل شيء من المال وإن لم يسلم الورثة المكفول به أو هو لم يسلم نفسه يلزم أداء المال من تركة الكفيل ولو حضر الكفيل المكفول به وأختفى المكفول له أو تغيب فليراجع الكفيل الحاكم لينصب وكيلاً عوضاً عنه ويستلمه.

تضمنت هذه المادة عدة أحكام:

1- أنه لو كفل أن يحضر نفساً فإن لم يحضره في الوقت المعين دفع ما عليه من الحق وهذا مما لا اشكال فيه عند جمهرة فقهاء الأسلام بل لعله من مقتضيات عقد الكفالة وإن لم يشترطه كما سبق، ولكن مع كل هذا الوضوح قد حاول التشكيك فيه البعض بأن ذلك ليس من مقتضيات عقد الكفالة بالنفس فلو لم يرضَ المكفول له إلاَّ بأحضار النفس طبقاً لصريح نصها كان له ذلك ولا سبيل إلى إلزامه بقبول المال عن النفس سيّما لو كان له غرض بحضور ذات الشخص أو لم يكن هناك حق ثابت بل يريد حضوره للمرافعة معه أو التفاهم أو غير ذلك من الأغراض الخاصة، وكل ما يقال في هذا المجال وأن أمكن دفعه والجواب عنه، ولكن الانصاف إن مثل هذه الحوادث الشخصية والخصومات الخصوصية لا يمكن إعطاء الحكم الكلي لها بل الأسد والأصوب ارجاعها إلى الحاكم لينظر في خصوصياتها المقامية ويحكم بما يقتضيه العدل والاستنباط النظري من القواعد الشرعية المنطبقة على المورد الخاص فتدبره تجده ألمع من نجمة الصباح في أفق التحقيق.

2- إذا توفي الكفيل فإن سلمت الورثة المكفول به إلى الوقت المعين أو المكفول به أن سلّم نفسه من جهة الكفالة لا يترتب على الكفيل شيء من المال وإن لم يسلم الورثة المكفول به..إلى آخره، وهذه الجمل تشتمل على أمرين:

الأول: أن الكفالة حق على الكفيل للمكفول له ينتقل بعد موته فيكون على وارثه فللمكفول له أن يطالبهم بأحضاره.

الثاني: أنهم إذا لم يحضروه أو لم يسلم هو نفسه وجب على الورثة دفع المال من تركة مورثهم الكفيل وفي كلا الأمرين مجال للبحث والنظر يرتكز على أن هذا الحق أولاً ليس بحق مالي حتى يتعلق بالوارث له أو عليه، وثانياً لو سلم كونه حقاً مالياً فهو حق خاص متعلق بذات الكفيل كحق القذف وحق القصاص وأمثالها وملاك القضية هنا أنه ثبت بالدليل العام أن كل حق مالي للميت فهو ينتقل بموته إلى وارثه ولم يثبت بوجه العموم أن كل حق عليه يكون بموته على وارثه والأصل عدم الانتقال إلاَّ ما قام عليه الدليل في كل مورد بخصوصه.

3- ولو أحضر الكفيل المكفول به وأختفى المكفول له أو تغيب فليراجع الكفيل الحاكم لينصب وكيلاً عوضاً عنه ويستلمه، لأن مثل هذه الأمور العامة مرجعها إلى الحاكم العام ــ والمراد بالأمور العامة ما يبتلي أحياناً به عامة الناس وليس لها مرجع خاص يقوم بحل عقدتها فكان من الحكمة وحفظ النظام جعل مرجع لتمشيتها وهو الحاكم.

نعم، يمكن أن يقال هنا أنه لا يلزم الرجوع إلى الحاكم بل يشهد الكفيل شاهدين عدلين على أنه أحضره في الوقت المعين ويسقط بذلك حق المكفول له المتغيب فليتدبر.

(مادة 652)

إذا كان الدين معجلاً على الأصيل في الكفالة المطلقة ففي حق الكفيل أيضاً يثبت معجلاً وإن كان مؤجلاً يثبت مؤجلاً. ومثلها:

(مادة 653)

وقد رجع بهما إلى أحكام كفالة المال ولا شك أن ضمان الدين مع الأطلاق ينطبق على وصف الدين من سائر جهاته وخصوصياته فإن كان معجلاً وجب على الضامن دفعه كذلك، وإن كان مؤجلاً بقي على الضامن بهذا الوصف.

نعم، يصح ضمان المؤجل حالاً والحال مؤجلاً حسب الشرط كما يصح في المؤجل تأجيله إلى أجل آخر كما في:

(مادة 654)

كما تصح الكفالة مؤجلة بالمدة المعلومة التي أجل بها الدين كذلك تصح مؤجلة بأزيد من تلك المدة.

(مادة 655)

لو أجل الدائن طلبه في حق الأصيل يكون مؤجلاً في حق الكفيل وكفيل الكفيل أيضاً والتأجيل في حق الكفيل الأول تأجيل في حق الكفيل الثاني أيضاً وأما تأجيله في حق الكفيل فليس بتأجيل حق الأصيل.

وذلك واضح لأن الأصيل هو الأصل والكفيل تابع والتابع فرع، والفرع يتبع الأصل، والأصل لا يتبع الفرع، ولذا لا يتم هذا إلاَّ على معنى الضمان بمعنى الضم، أما بناء على معنى النقل والتحويل فلا يأتي شيء من ذلك ضرورة إن الفرع قد انقلب أصلاً ولم يبقَ له بعد براءة ذمته أي علاقة له مع غريمه فلا معنى لتأجيله وعدمه في حق الكفيل ولا كفيل الكفيل.

نعم، يبقى الكلام في أن التأجيل الدين في حق الكفيل على الرأي الأول كيف يتصور مع عدم سرايته إلى الأصيل مع أن الدين واحد؟، وتوجيه ذلك ينمكن أن يكون بتصوير أن ذمة الأصيل هي المشغولة بالدين حقيقة وليس على الكفيل إلاَّ حق المطالبة فإذا تأجل أصل الدين تأجلت المطالبة طبعاً، أما لو تأجلت المطالبة كما لو أجل الكفيل فالدين باقٍ على حاله من تعجيل أو تأجيل، وتأجيل الكفيل أقصى أثره أنه لا يطالب هو بالدين ولا ينافي ذلك أن غيره يطالب به فتدبره جيداً فأنه يحتاج إلى لطف قريحة.

(مادة 656)

المديون مؤجلاً لو أراد الذهاب إلى ديار أخرى وراجع الدائن الحاكم وطلب كفيلاً يكون مجبوراً على أعطاء الكفيل.

في هذه المادة إجمال وأبهام وتحرير هذا البحث أن المديون لو أراد السفر من بلاد فيها دائنه فالدين لا يخلو أما أن يكون حالاً أو مؤجلاً فإن كان حالاً فقد وجب عليه دفعه إن كان ملياً فإن طالبه الدائن ولم يدفع مع عدم العذر الشرعي كان للدائن أن يرفع أمره إلى الحاكم كي يمنعه من السفر حتى يؤدي دينه، بل لا يبعد أنه لو يسافر والحال هكذا كان سفره معصية لا يجوز فيه التقصير.

وبالجملة لا يجوز له السفر إلاَّ بإرضاء دائنه بالدفع أو بالكفيل أو بغيرهما، أما لو كان الدين مؤجلاً فليس له حق المطالبة بالدين ولا بالكفيل ولا بغيره، فإطلاق (المجلة) أنه يكون مجبوراً على أعطاء الكفيل غير سديد، اللهم إلاَّ أن يكون رأيهم ــ ولو استحساناً ــ أن ذلك حتى مع عدم حلول أجل الدين مخافة أن يحل الأجل وهو مسافر فيتأخر أداء الحق فليتأمل.

ولعل ما ينسب إلى الحنفية من عدم الحق للدائن أن يحبس المديون عن السفر إلاَّ في نفقة الزوجة ناظر إلى الدين قبل حلول أجله ويبقى الاستثناء على ظاهره متصلاً، ووجهه أن نفقة الزوجة بالنسبة إلى الأيام المستقبلة وإن كان من قبيل المؤجل، ولكن لقرب أجله وحاجة الزوجة إليه في الغالب وأهميته يكون كالحال بل أشد منه فليتدبر.

(مادة 657)

لو قال أحد لآخر أكفلني عن ديني الذي هو لفلان فبعد أن كفل وأدى عوضاً عن الدين يحسب كفالته لو أراد الرجوع على الأصيل يرجع بالشيء الذي كفله ولا اعتبار للمؤدي، وأما لو صالح الدائن على مقدار من الدين يرجع ببدل الصلح وليس له الرجوع بمجموع الدين، مثلاً لو كفل بالمسكوكات الخالصة وأدى مغشوشة يأخذ من الأصيل مسكوكات خالصة وبالعكس لو كفل بالمسكوكات المغشوشة وأدى خالصة يأخذ من الأصيل مغشوشة كذلك لو كفل مقداراً من الدراهم وأداها صلحاً بأعطاء بعض أشياء يأخذ من الأصيل المقدار الذي كفله من الدراهم، ولكن لو كفل ألفاً وأدى خمسمائة صلحاً يأخذ من الأصيل خمسمائة.

هذه أيضاً من مهمات مسائل الضمان وهي مسألة رجوع الضامن على المضمون عنه ومتى يرجع وبأي مقار يرجع عليه؟ وتحرير هذا المقام على وجه الإيضاح والأختصار إن الضامن لا يستحق الرجوع على المضمون إلاَّ بشرطين:

الأول: أن يكون الضمان بأذنه كما أشارت إليه (المجلة) لو قال أحد لآخر أكفلني عن ديني، فلو كفل من غير أذنه لم يستحق الرجوع عليه لأنه متبرع. نعم، يبقى الكلام فيما لو كفله بغير أذنه وأطلع هو ولم يصرح بالرضا والأذن ولم يمنع فهل السكوت من الرضا أو الأصل براءة ذمته من الحق؟ المسألة مشكلة تحتاج إلى التأمل.

الثاني: أنه لا يستحق الرجوع إلاَّ بعد الأداء فلا حق له بمطالبته المضمون عنه قبل أن يدفع الحق للمضمون له سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً كلياً أو جزئياً.

ثم بعد تحقق الشرطين يستحق الرجوع، ولكن بمقدار ما دفع لا بمقار ما ضمن فلو صالح الضامن المضمون له بأقل من دينه لم يستحق إلاَّ مقدار الصلح لا بأصل الدين فلو صالحه عن الألف بخمسمائة لا يأخذ منه إلاَّ الخمسمائة وهذا الحكم ثبت بالدليل الخاص على خلاف القاعدة وإلاَّ فأن ذمة المضمون عنه حسب الفرض قد اشتغلت للضامن بمقدار الدين كما أن ذمة الضامن قد اشتغلت للمضمون له بذلك والصلح أو الأبراء بين الضامن والمضمون معاملة أخرى جديدة بينهما لا علاقة لها بقضية الضمان.

وبالجملة فبعد أن اشتغلت ذمة المضمون عنه للضامن بالمقدار المعين بعقد الضمان كيف ينقلب إلى البعض بالصلح بين الضامن والمضمون له وهي معاملة أخرى أجنبية فلابد من الالتزام بأن الذمة وأن اشتغلت بالمقدار، ولكن لا يستقر ولا يلزم إلاَّ بالأداء فيستقر ما يؤدي ويسقط ما عداه، وقبل الأداء يبقى مراعي وليس هذا بعزيز النظير وأن كان مخالفاً للقاعدة فإن المهر تشتغل به ذمة الزوج ويبقى مراعي بالدخول فيلزم الجميع أو الطلاق أو الموت قبله فيسقط النصف فلا محيص من المصير إليه بعد ورود الدليل، ويتفرع على المراعاة سقوطه عن المضمون عنه أجمع لو أبرء المضمون له الضامن من أصل الدين وهو أيضاً مخالف للقاعدة، ولذا لو وهبه أو ورثه أو باعه بأقل لا يتسرى الحكم المزبور لأنه على خلاف القاعدة فنقتصر على مورده الخاص وهو ما إذا صالحة عنه ببعضه، أما لو صالح عنه أو باعه بعين هي أقل قيمة فلا فضلاً عن الهبة والأرث كما أنه لا يجري في الحوالة وهو المراد من قول (المجلة) كذلك لو كفل مقداراً من الدراهم وأدها صلحاً بأعطاء بعض أشياء يأخذ من الأصيل المقدار اذي كفله من الدراهم، ولكن لو كفل ألفاً وأدى خمسمائة صلحاً يأخذ من الأصيل خمسمائة، انتهى. وتأتي هنا شبهة الربا فليتأمل.

(مادة 658)

لو أغفل أحد آخر في ضمن عقد المعاوضة يضمن ضرره، مثلاً لو باع أحد لآخر عرصة وبعد انشاء بناء فيها لو ظهر لها مستحق وضبطها فللمشتري أن يأخذ قيمة البناء حين التسليم ما عدا أخذ قيمة العرصة كذلك لو قال أحد لأهل السوق: هذا الصغير ولدي بيعوه بضاعة فأني آذنته للتجارة ثم بعد ذلك لو ظهر أن الصبي ولد غيره فلأهل السوق أن يطالبوه بثمن البضاعة التي باعوها للصبي.

هذه القضية أجنبية عن (كتاب الضمان) الذي هو بمعنى ضمَّ ذمة إلى ذمة أو تحويله من ذمة إلى أخرى وإنما هو هنا بمعنى الخسارة والغرامة أو التدارك وهما وأن كانا يرجعان إلى أصل واحد، ولكن الأحكام تختلف بأختلاف الخصوصيات  فضلاً عن الفصول، وسبب الضمان أي الغرامة هنا قاعدة الغرور (المغرور يرجع على من غره) وأهل السوق وإن كان لهم حق الرجوع على من غرهم لو أتلف الصبي أموالهم، ولكن قرار الضمان على الصبي المتلف بقاعدة (من أتلف) يؤخذ منه بعد بلوغه.

الباب الثالث

في البراءة من الكفالة

ويحتوي على ثلاثة فصول:

الفصل الأول

في بيان الضوابط العمومية

(مادة 659)

لو سلم المكفول به من طرف الأصيل أو الكفيل إلى المكفول له يبرء الكفيل من الكفالة.

(مادة 660)

و قال المكفول له أبرأت الكفيل أو ليس لي عند الكفيل شيء يبرأ الكفيل.

(مادة 661)

لا تلزم براءة الأصيل ببراءة الكفيل.

(مادة 662)

براءة الأصيل توجب براءة الكفيل.

هذه المواد مع وضوحها قد تقدم أكثرها، واتضحت مداركها، وإن براءة الأصل تستلزم براءة الفرع دون العكس، وذلك محصل هذه المواد الأربع.

الفصل الثاني

في البراءة من الكفالة بالنفس

(مادة 663)

لو سلم الكفيل المكفول به في محل يمكن فيه المخاصمة كالمصر أو القصبة إلى المكفول له يبرء الكفيل من الكفالة سواء قبل المكفول له أو لم يقبل ولو كفل على أن يسلمه في مجلس الحاكم وسلمه في الزقاق لا يبرأ من الكفالة، ولكن لو سلمه بحضور ضابط يبرأ.


 

العبارة كما يتذوقها صاحب الذوق السليم العربي ــ مشوهة الخلقة والتركيب، وحاصلها أن محل تسليم الكفيل المكفول للمكفول له مع الإطلاق ــ بلد أو قصبة يمكن فيه المخاصمة لوجود حاكم أو محكمة أو حكومة أو ما أشبه ذلك فلو سلمه في بلد هي كذلك برء، أما مع أشتراط تسليمه في بلدة معينة فلا يبرأ حتى يسلمه فيها أو في مجلس الحاكم أو غيره حسب الشرط، والأصح أنه مع الشرط هو المتبع ومع الإطلاق فالبلدة التي وقع عقد الكفالة فيها سواء كان فيها حكومة أو حاكم أم لا.

(مادة 664)

يبرأ الكفيل بمجرد تسليم المكفول به بطلب المطالب، أما لو سلمه بدون الطلب فلا يبرء ما لم يقل: سلمته بحكم الكفالة.

هذا حكم أشل بل تحكم محض فإن الكفيل لا يلزمه أكثر من تسليمه المكفول للمكفول له في الوقت المعين والزمن المخصوص أن شرط شيء منهما في العقد ولا أثر للطلب وجوداً ولا عدماً إلاَّ مع الشرط أيضاً كما لا أثر لقول أنه سلمه بحكم الكفالة، وأغرب من هذا ما في:

(مادة 665)

لو كفل على أن يسلمه في اليوم الفلاني وسلمه قبل ذلك اليوم يبرأ من الكفالة وإن لم يقبل المكفول له، وما أبعد ما بين المادتين فالأولى جعلت ما ليس بمشروط شرطاً، والثانية جعلت الشرط كغير المشروط، وما أدري كيف صار هذا الشرط لغواً مع أنه شرط سائغ وقد يتعلق به غرض عقلائي ويكون له فائدة مهمة بأحضاره في اليوم المعين فلو أحضره في غير ذلك اليوم لم يحصل غرضه، وكيف يلزم به مع عدم قبوله؟ وهذا واضح جداً.

(مادة 666)

لو مات المكفول به كما يبرأ الكفيل من الكفالة كذلك يبرأ كفيل الكفيل، كذلك لو توفي الكفيل كما برء هو من الكفالة كذلك يبرأ كفيله أيضاً، ولكن لا يبرأ الكفيل من الكفالة بوفاة المكفول له ويطالب وارثه.

موت المكفول يوجب بطلان الكفالة لزوال الموضوع فيبرأ الكفيل وكفيل الكفيل، وهكذا موت الكفيل فإن زواله يوجب زوال ذمته وتعهده وليس هو حق مالي مباشرة حتى ينتقل كالدين على ورثته أو على تركته.

نعم، لو مات المكفول له بقي الحق على الكفيل أن يسلمه إلى ورثته فأنه حق مورثهم فينتقل إلى ورثته بموته.

الفصل الثالث

في البراءة من الكفالة بالمال

(مادة 667)

لو توفي الدائن وكانت الورثة منحصرة في المديون يبرأ الكفيل من الكفالة

وهذا أيضاً من قبيل زوال الموضوع أو بحكم وصول الحق فلا موضوع للكفالة، أما لو كان له وارث آخر غير مديون لم يبرأ من حصة الوارث الآخر الغير مديون وهو واضح.

(مادة 668)

لو صالح الكفيل أو الأصيل الدائن على مقدار من الدين يبرآن اشترطت برائتهما أو براءة الأصيل فقط أو لم تشترط شيء وإن اشترطت براءة الكفيل فقط يبرأ الكفيل فقط ويكون الطالب مخيراً إن شاء أخذ مجموع دينه من الأصيل وإن شاء أخذ بدل الصلح من الكفيل والباقي من الأصيل.

الكفالة ــ أي الضمان ــ وإن جعلناه كما عند القوم ضم ذمة إلى ذمة، ولكن الأصل فيه هو الأصيل أي المديون المضمون عنه والكفيل فرع له فلو أن الدائن أبرء الأصيل أو صالحه أو أمهله سرى كل ذلك إلى الفرع ــ أي الكفيل الضامن ــ بمعنى أنه إذا أبرء الدائن ذمة المضمون عنه (المدين) برئت قهراً ذمة الكفيل لسقوط الدين وزوال الموضوع، وكذا لو صالحه على مقدار منه يبرأن معاً من الزائد عن مال المصالحة، وهذا يترتب قهراً سواء أشتراطاً برائتهما أو لم يشترطا فإن هذا من اللوازم القهرية للإبراء والإسقاط والصلح.

نعم، لو أبرأ الكفيل فقط لم يبرأ الأصيل لما عرفت من أن الأصل لا يتبع الفرع وبراءة الكفيل لا تستلزم براءة الأصيل، فلو صالح الدائن الكفيل على مقدار أخذه وطالب الأصيل بالباقي أو أخذ الجميع منه لأن ذمته في الأصل هي المشغولة.

(مادة 669)

لو أحال الكفيل المكفول له على أحد وقبل المكفول له والمحال عليه يبرأ الكفيل والمكفول عنه أيضاً.

يعني يبرأ الأصيل والكفيل لأن تحويله مع قبوله بحكم الأداء كما سيأتي في باب الحوالة إن شاء الله.

(مادة 670)

لو مات الكفيل بالمال يطالب بالمال المكفول به من تركته، لأنه حق مالي كالدين فإذا بطلت ذمة الكفيل بالموت أنتقل الحق وصار في أمواله كسائر الديون.

(مادة 671)

الكفيل بثمن المبيع إذا أنفسخ البيع أو ضبط المبيع بالأستحقاق أورد بعيب يبرأ من الكفالة. كل ذلك لسقوط الحق المضمون فتسقط كفالته والتعهد به.

(مادة 672)

لو أستؤجر مال إلى تمام مدة معلومة وكفل أحد بدل الإجارة التي سميت تنتهي كفالته عند انقضاء مدة الإجارة.

هذا مع الأطلاق وبناء على أن استحقاق الأجرة يكون عند انتهاء المدة وإلاَّ فيتبع الشرط ومع الأطلاق فعند تسليم العين المستأجرة فتدبره جيداً.

وأما قوله: فإن أنعقدت إجارة جديدة بعد ذلك على ذلك المال ــ لا تكون الإجارة شاملة لهذا العقد ــ فهو مستدرك واضح لا حاجة إلى بيانه.


 

 
امتیاز دهی
 
 

 
Guest (PortalGuest)

دبيرخانه كنفرانس‌هاي بين‌المللي
Powered By Sigma ITID.