الفقيه ... القائد
الشهيد الأول
 
                                             د.يوسف طباجة
تمهيـد :
أبدأ ببيتين من الشعر أوردهما الشهيد الثاني(1) (قدس سره) في سياق منيته ، بعد أن روى – عن أبي حنيفة – لقوله : "من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذلٍ ما بقي".
لا تطمحن إلى المراتب قبل أن      تتكامـل الأدواتُ والأسـبابُ
إن الثـمار تمر قبـل بلوغها      طعماً ، وهـن إذا بلغن عِذاب(2)
وعليه فإن سيرة الشهيد الأول (قدس سره) توضح لنا ، أن هذا الرجل العظيم تملّكه الوعي فمَلَكَهُ ، ومنذ البداية سعى لاكتساب العلم والمعرفة من مشارب عديدة ،على اختلافها(3). فقد استأنس أيما استئناس بأترابه وأبناء بلدته (جزين)(4)، وهم من أعاظم القوم(5)...، ثم تنقل بين فقهاء جبل عامل وجال عليهم يتدارسهم(6).
إلى هنا ، يبدو أن الشهيد قد بلغ مبلغاً علمياً رفيعاً ، ما يدل على الخصوبة العلمية التي أمنتها له الساحة الثقافية العاملية ... لكن الرجل لم تكفه الزاد ، فأنشد الاستزادة ، فيمم وجهه شطر العراق للقاء كبار فقهاء الحلة ، لكنهم وجدوه من أكابرهم(7). حيث أن سمعته كانت قد سبقته ليس إلى العراق فحسب ، بل ذاع صيته في كافة أنحاء البلاد الإسلامية عامة، وبلاد فارس خاصة عندما جاء إليه – وهو في العراق – رسول من علي بن المؤيد أحد حكام السربداريين ، يدعوه إلى بلاده ليفقههم في الدين(1)... إضافة إلى طلب علماء وفقهاء العراق ان يبقى بينهم ليتسنم الإمامة فيهم(2)، فكان رفضه للطلبين معاً ، عازماً العودة إلى عاملة لسعة في أفقه ترجمه فيما بعد بمشروع نهضوي إصلاحي ملأ صداه وأثره الساحة الإسلامية عامة (قتل بسببه) ، والفقه الإمامي خاصة الذي لا زالت معالم مدرسته بارزة فيه ، لا بل تشكل مدماكاً أساسياً يقوم عليه ، فهو الشهيد الأول فيه(3)...
 
الرجل وآفاق المستقبل :
أشرنا تمهيداً إلى أن الشهيد الأول ظهر نبوغه باكراً ، وبفضل ذلك يبدو أنه اخطط لنفسه مشروعاً نهضوياً ، بدأه بمرحلة الإعداد الذاتي . وعلى أهمية وخطورة المشروع في زمن "الانحطاط"(4)... إلاّ أنه نجح في إرساء قواعده ومنهجه ، إن على المستوى النظري المتجسد في مؤلفاته وتصنيفاته ، أم على المستوى العملي حيث برز الشهيد كفقيه قائد له موقعه البارز، وكدور لعبه على الساحة الثقافية ، أكان في مجالسه بدمشق ، أم في مدرسته التي أسس لها في بلدته جزين، أو في علاقته الواسعة التي لم تقتصر على أقرانه من الفقهاء والعلماء (سنة وشيعة)، بل تعدتها إلى رجالات الدولة والسلطة التي يبدو أنه كان يرى ضرورة العمل معهم وفق الواقع الذي كان قائماً أو معاشاً ، ولكن ضمن حدود وضوابط يحكمها الشرع من جهة ، ومصالح الناس من جهة أخرى(5).
في ذلك كله اعتلى الشهيد مركزاً مرموقاً بلغ به درجـة الشـهادة ، فسقط فيه الفقيـه -نائب الإمام– القائد ، دون أن يسقط المشروع الذي لا زالت آثره الفكرية لامعة إلى اليوم...
 
المرحلة التاريخية والمناخ السياسي والثقافي العام :
المرحلة التاريخية (ويعرفها بعض الدارسين بمرحلة الانحطاط)(1)، والتي يمكننا رصد بدايتها منذ سقوط بغداد بأيدي المغول (656هـ/1258م) . ثم انهزامهم أمام المماليك في معركة عين جالوت (رمضان 658هـ/1260م) ، لتُحكِم السلطة المملوكية سيطرتها على كامل مصر والشام . وبعدها بأقل من شهرين ، إنفرد " بيبرس" بالسلطة إثر اغتياله للمظفر " قطز " (ذي القعدة 658هـ/ت1 1260م). شريكه في انتصار عين جالوت(2)، وكان هذا الأخير قد جلس على كرسي السلطنة بعد قتله للملك المنصور في مصر عام 657هـ/1259م ، عشية الخروج لقتال المغول في عين جالوت(3).
وبعد ذلك بعامين تقريباً ، وصل إلى مصر عباسي غادر بغداد متخفياً ، فعقد له بيبرس اجتماعاً وبايعه بالخلافة العباسية " الجديدة " (4)، لتستقر إلى جانبه في مقر السلطنة بالقاهرة ، ولتضفي عليها شرعيتها .
وبخلاف الزنكيين والأيوبيين الذين اقتصر القضاء عندهم على قاضي قضاة الشافعية(5)،أمر بيبرس عام (665هـ/1267م)، "باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها"(6)، كما أمر بأن: "لا يولى قاضٍ ، ولا تقبل شهادة أحد ، ولا يرشح أحد لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ، ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب"(7)... ثم عمد إلى تعيين قاضي قضاة لكل من المذاهب السنية الأربعة في العاصمة وعواصم الولايات التابعة لها(8)... الأمر الذي أدى إلى الجمع بين شوكة السلطنة المرتكزة على نظام اقطاعي مركزي محكم ، وشرعية الخلافة ، والقضاء الشرعي ، وهمها الرئيس – أي السلطة – مالي الطابع(1). لذا عمل بيبرس على تصفية وإخضاع المناطق التي كانت لا تزال تحت يد الصليبين(2)، بعد أن أبعد الخطر الخارجي المتمثل بالمغول ، والخطر الداخلي المتمثل في الانقسام الناتج عن الصراع على السلطة ، إلاّ أنه لم يتمكن من استرداد كامل المناطق التي عمل على استكمالها السلطان قلاوون ، ثم ولده الملك الأشرف خليل(3)...
استمرت دولة المماليك على هذا التقليد ... سلطة مركزية على رأسها السلطان ، الذي يمسك ويدير شؤون السلطنة ... يعين ويعزل الخليفة والقضاة ساعة يشاء وأنى يشاء ، تماماً كما يعزل أحد أمرائه وحاشيته ... لكن المصادر التاريخية تحدثنا بأن عزل أحد الأمراء أحياناً قد يكون صعباً ومكلفاً ، باعتبار أن الأمراء أو الإقطاعيين يمكن أن يكون لهم من المقدرة على تجييش الأتباع والعسكر على الأرض بوجه السلطة ، وهذا ما لا يملكه الخليفة أو القاضي(4)...!
هذا والعزل المدني على "الروافض" قائم(5)، وخير دليل على ذلك ما ذكره إبن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة : "كان الناس إذا أرادوا أن يكيدوا لشخص ، دسوا عليه ما رماه بالتشيع. فتصادر أملاكه ، وتنهال عليه العقوبات والإهانات حتى يظهر التوبة من الرفض"(6). وعندما تكون القضية كبيرة بحجم منطقة جغرافية كبرى ، كانت الدولة المملوكية وبإيعاز من فقهاء السلطة أو قضاتها تنشر وتخلق حججاً مختلفة كالتآمر لإسقاط الحكم وما شابه ، كما حصل في الفتوح الكسروانية وما رافقها من عنف وبطش ، عززتها فتاوى إبن تيمية في هدر دماء الكسروانيين(1). ومأساة الفقيه العاملي الكبير إبن الحسام العاملي الذي التقى بابن تيمية وحاوره بدمشق ، وبابن فضل الله العمري والصفدي صاحب "الوافي بالوفيات"(2).
 
النظام الإقطاعي أساس التركز السياسي والإداري عند المماليك :
       في الأصل ، النظام الإقطاعي Feodal(3) هو غربي المنشأ ، فهو يختلف عن النظام الإقطاعي الإسلامي الذي نشأ مع انحلال مفهوم الخلافة / الإمامة ، التي تحولت إلى ملك عضوض (دولة سلطانية صار الجيش فيها الحاكم بدلاً من أداة حكم) . فانسحب الفيء (الغنائم والخراج والجزية)(4) بدوره على ذلك التحول الذي بلغ فيه الخراج الإقطاع ، بمعنى انهيار الإدارة المالية(5)، منذ البويهيين الذين انطلقوا من نظرة قبلية تعتبر الأرض المفتوحة غنيمة بحق الغزو ، وأهملوا نظام الخراج كمفهوم إسلامي بالنسبة للأرض ، فشكلت نقطة التحول الهامة في نظام الإقطاع العربي الإسلامي(6).
جاء السلاجقة فأتموا ما بدأه البويهيون ، إذ أصبح الإقطاع إقطاع الأرض لا الوارد... وأصبح وراثياً إلى حد ما مع سلطة شاملة على الزرّاع ، وذلك مقابل تهيئة العسكر والجند ودفع ما يتوجب من ضرائب ... فتركز هذا الإقطاع لدى الزنكيين والأيوبيين ، وورثه عنهم المماليك ، لكن كثرة الإضطرابات في الدولة المملوكية ، وفساد الإدارة ، أدى إلى تراخي قبضة الدولة على نظام الإقطاع ، فأصبح كثير من الضباط الذين تلقوا الأرض عوضاً عن مرتباتهم(7)، يبيعونها لآخرين . دون أن تفعل الدولة شيئاً حيال ذلك ، بينما كان من قبل مؤقتاً لمدة خدمة الضباط ، ولا يباع كما لا يورث(8)...
في هذا النظام شكل السلطان رأس الدولة المملوكية (المركزية المُحْكَمَة) ، فهو الذي كان يعين النواب في المدن والأقاليم والأعمال بشكل مباشر ... والخليفة وقضاة المذاهب ... ثم تأتي الفئات الاجتماعية والتي كانت تتوزع على خمسة فئات(1)، يحتل الفئات الثلاث الأولى منها موظفوا الدولة أو ( أهل الدولة ) وأولها على رأس السلم الاجتماعي (المماليك أرباب السيوف) وهم قادة الجيش والعسكر ، ثم (أرباب الأقلام) وهم فئة كبار موظفي الدولة. وشكل العلماء الفئة الاجتماعية الثالثة ، ويقع في مقدمتهم القضاة والخطباء ، وكان أرباب الوظائف من الفئات الثلاثة هذه يعتمدون على الدولة التي تقدم لهم مقابل خدماتهم إقطاعات أو بدلات مالية في صورة مرتبات (مشاهرة) ، ويأتي التجار في المرتبة الرابعة ، ثم سائر الناس ( العامة ) وهم الفئة الاجتماعية الأخيرة ..
 لكن الخلل الذي أصاب دولة المماليك ، إنعكس على المجتمع وفئاته مما أدى إلى ضرب التكوين الاجتماعي ، فتراجعت عدة فئات لصالح فئات ... فالعلماء والفقهاء الذين كانوا يشكلون الدرجة الثالثة فقد انحطوا إلى الدرجة الخامسة لصالح التجار الذين شكلوا الفئة الثانية بعد كبار رجال الدولة من أمراء ومماليك(2) ...
 جبل عامل والتنظيم الاقطاعي والإداري المملوكي لبلاد الشام .
تشكلت بلاد الشام بحسب التقسيمات الإدارية التي اتبعها المماليك في ستة ممالك(3)، توزعت مدن وقرى ودساكر جبل عامل بين مملكتي دمشق وصفد(4)، وبحسب هذا التقسيم كانت جزين ومنطقتها مقدمية يتولاها المقدمون الخزرجيون(5)، وتتبع مملكة دمشق التي يفصلها عن مملكة صفد (في جبل عامل) : الخط الذي يبدأ من مصب نهر الزهراني على المتوسط ، صعوداً على مجراه وبانحراف نحو الجنوب حتى مرجعيون ، ومن مرجعيون شرقاً إلى نهر الحاصباني ، ثم مجرى نهر الأردن (وهي الحدود الشرقية لجبل عامل)(6).
 
المشروع النهضوي(7) عند الشهيد الأول :
 لكي نتمكن من قراءة المشروع النهضوي لابن مكي ، لجأنا إلى تقسيمه إلى ثلاثة مراحل هي :
1- مرحلة الإعداد الذاتي (الجزء الأول من حركة الشهيد الأول).
- اسمه ونسبه : هو الشيخ الشريف(1) محمد بن مكي(2) بن محمد بن أحمد بن حامد(3) بن طي المطلبي(4) الأوسي الخزرجي الهمداني(5) الجزيني العاملي الشامي . ولد في جزين في العقد الثالث بعد المائة السابعة من الهجرة(6).
 
- رحلاته في طلب العلم :
أ- في جزين : مسقط رأس الشهيد حيث تلقى مبادئ العلم ، وأنس بحديث العلم والعلماء ولازم مجالسهم . وذلك لما كان لها في ذلك العصر من مركز علمي ... فتتلمذ على الشيخ أسد الدين الصائغ أبي زوجته وعم أبيه ... ولا ريب أنه استنفذ بسرعة إمكانيات جزين العلمية ، ثم لا شك أن ذلك القليل لم يكن شيئاً بجانب شاب طموح(7).
 
ب-  في الحلة :
هاجر محمد بن مكي إلى الحلّة حوالي السنة (750هـ/1349م)(8). وقد كانت يومذاك أهم مركز علمي للشيعة ، بل يمكننا القول أنها كانت في أوج مجدها ، كون من تعاقب على رئاستها في تلك الفترة يعتبرون من أعظم أعلام الفقه الشيعي ، لا سيما العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر(9) الذي قاد الحملة الفقهية الشيعية مقابل ابن تيمية كبير فقهاء السنة(10). ثم من بعده إبنه فخر المحققين محمد(11) (682/771هـ/1283/1369م) . وهو أكبر وأول من تتلمذ عليه إبن مكي عند حلوله مدرسة الحلة ، وله منه عدة إجازات بين عامي (751هـ/756هـ/1350م/1355م)(1) ، هذا وأنه ورد في عدة أماكن رواية عن فخر المحققين قوله "لقد استفدت من تلميذي محمد بن مكي أكثر مما استفاد مني"(2). وذلك دلالة على تقدم الشهيد وبراعته ، وحسن تلقفه للعلم وارتقائه درجات سمحت له بشهادات من أستاذ بهذه الأهمية والموقع .
كذلك هناك مجموعة كبيرة من علماء الحلّة استجازهم إبن مكي وأثنوا عليه(3). ثم أنه حاورهم وجادلهم ونزلوا عند رأيه(4). وهذا الكم النوعي يكفي لرسم الصورة عن مدى التلاقح الثقافي الذي انتهله الشهيد هناك خصوصاً عندما نقف على تلك الشخصيات في تراجمها.
بعد الحلّة ، كانت وجهة الشهيد إبن مكي العلمية إلى بغداد ، حيث كان الهدف كما يبدو هو التقاء علماء من غير الشيعة ، فضلاً عن استجازة كبار علماء بغداد من الشيعة . إذ تلوح في الأفق خطة لا تبعد عنها منهجية التقريب بين المذاهب الإسلامية وتوحيدها ، وهذا جزء مهم من مشروع الشهيد ...
 
ج- في بغداد :
قصد محمد بن مكي العاملي الشامي بغداد في طريق عودته من الحلّة ، وفيها قرأ القراءات على أصحاب أبن مؤمن(5). كما استجاز شمس الأئمة الكرماني محمد بن سعيد القرشي الشافعي البغدادي(6)، وذلك في أوائل جمادي الأول سنة (758هـ/1351م)(7).
والظاهر أن حرص الشهيد على استجازة شافعي شهير ، وصف بأنه "عالم بغداد"(8)، يتصل بالجزء التالي من خطته ، خصوصاً إذا ما لاحظنا أيضاً أنه قرأ على من سماه "الشيخ الإمام القارئ، ملك القرّاء والحفاظ شمس الدين محمد بن عبد الله البغدادي الحنبلي"(9).
 
د. في مصر ومكة والمدينة وفلسطين :
بعد بغداد ، إنطلق إبن مكي العاملي في رحلة علمية طويلة زار خلالها مصر(1) ومكة(2) والمدينة(3)، وبيت المقدس(4) ومقام إبراهيم الخليل . وقرأ فيها على نحو من أربعين شيخاً من علماء المذاهب السنية الأربعة (الرسمية)(5).
وواضح أنه كان يتظاهر في هذه الرحلة بأنه شافعي ، كون المذهب الشيعي كان محظوراً . ونرجح بأن نزوله بغداد واستجازة كبار فقهاء الشافعية وغيرهم من المذاهب الرسمية . كان لإحاطته بعلم الفقه على هذه المذاهب ، والشافعي منها خصوصاً ، نظراً لكثرة أهل المذهب وانتشاره في بلاد الشام . وارتباط ذلك بخطته ومشروعه النهضوي والإصلاحي.... المرتبط بشكل ما لجهة التقريب بين المذاهب ، بحيث تغطى تلك الخطّة الإتصال بكبار علماء المذاهب الإسلامية في تلك البلاد ...
 
هـ في الشام :
كانت دمشق بالنسبة للشهيد الأولى محطة دائمة في أسفاره ورحلاته العلمية ، وذلك لعدة أسباب أهمها : الموقع الجغرافي القريب من جبل عامل الذي يعتبر،  لا بل يعتبره  أبناؤه ، جزءاً من بلاد الشام ...وكذلك هو أحد أجزاء ولاية أو حاكمية دمشق التي عرفت على مر التاريخ بعاصمة بلاد الشام ... وبالتالي العاصمة العلمية والثقافية والتجارية لهذه البلاد .
ورغم الاختلاف والتباين في المذهب أو الموقف للسلطة الحاكمة في دمشق ، فإن العامليين لم يتوانوا عن التردّد الدائم إلى دمشق (العاصمة)(6)، فابن مكي العاملي الشامي – كما كان يكني نفسه يبدو أن هذه الكنية كانت مسحوبة على حبه لوطنه وبلاده رمزاً لذلك - قد تردد على مجالسها ومساجدها(7) ومدارسها وأسواقها شأنه شأن أقرانه من العامليين . فأقام فيها (كفقيه)، وفيها أنجب أولاده . وكوّن لنفسه مجلساً علمياً انفتح من خلاله على كافة أطياف الفكر والفقه الإسلامي ... وتقرب من علمائها فاستجاز بعضهم ، وحاور آخرين ، إلى أن كانت نهايته بخاتمة الشهادة فيها بعد أن قاد حركة فقهية سياسية خطط لها وعمل من أجلها(1)...
إن هذا الكم ، وهذا النوع في أساتذة الشهيد إبن مكي العاملي ، والتعدد الفكري والثقافي والفقهي ، والمتعدد المذاهب والمشارب والتصنيف في العلوم كافة . وفي محيط جغرافي (بيئة) متباين ومترامي ... بكشل دلالة على الأسس الفرية والثقافية والعلمية والمنهجية التي تأسس عليها الشهيد الأول ، مطلعاً ، باحثاً دارساً ، متأملاً(2)... ضمن خطة اختطها لنفسه ، مسافراً ، متنقلاً ، في أرجاء البلاد طولاً وعرضاً ، من مصر إلى العراق إلى الحجاز إلى بلاد الشام ، لا سيما سوريا وفلسطين ولبنان ... مستمعاً ومحاوراً حيث كانت هذه الأقطار والأمصار في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي ، من أهم مراكز العلم والثقافة الإسلامية . إذ لم تكن المدارس الدينية محصورة كما هي اليوم في النجف وقم والأزهر ، وإنما كانت هيئات علمية متفرقة في أقطار المسلمين ومدنهم.
عن طريق هذه الأسفار أتيح للشهيد الأول أن يندمج في أطر ثقافية مختلفة ومتخالفة، ويعيش وجوهاً متنوعة في الفكر ، ويتفاعل مع الأضداد ويقف عليها ومع الاتجاهات الفكرية والسياسية المتضاربة .
وكما ذكرنا ، فإن هذا ليس وليد صدفة ، بل هو وليد هدف وغاية فكرية خالصة، وسياسية ثقافية واضحة ، لا بد أنها كانت تسعى لتركيز مبدأ أو مبادئ عقائدية – إيديولوجية- إمامية- أصبح إبن مكي العاملي بعدها رمزاً لها أو صاحب مدرسة في اتجاهاتها(3). لا شك أنه كان يريد وسعى للوصول إليها ، ودليل ذلك قوله في إجازته لابن الخازن: "... وأما مصنفات العامة ومروياتهم ، فإني أروي عن نحو أربعين شيخاً من علمائهم بمكة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام إبراهيم الخليل، فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري، وكذا صحيح مسلم ، ومسند أبي داود ، وجامع الترمذي ، ومسند أحمد وموطأ مالك ، ومسند الدار قطني ، ومسند إبن ماجه ، والمستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، إلى غير ذلك مما لو ذكر لطال الخطب ، وقرأت الشاطبية على جماعة منهم : قاضي قضاة مصر برهان الدين إبراهيم بن جماعة(1)، عن جده بدر الدين..."(2).
ما تقدم يدل على أمرين اثنين ، كسب المعرفة من عدة مصار ومراجع بقصد التشكل المعرفي، والتعرف على شخصيات عديدة لغاية في نفس الشهيد ابتغاها وهي: اتخاذ موقع له ضمن بوتقة تلك المجموعات من العلماء والمشايخ ، وربما يكون قد أراد الوقوف على التباين في الآراء مع الآخر ، ويكون بالتالي على تماس مباشر معه ليبني رأيه في النهاية ... إن لجهة التقريب بين المذاهب أو الحضور الفقهي الإمامي(3)...
هذا وبالإشارة إلى مدى تحمل الشهيد لمشاق السفر الكبيرة ، ومكابدته للرحلة في ذلك الزمان إن كان في وسائل النقل والتنقل على الجمال والخيل والبغال والحمير وغير ذلك سيراً على الأقدام... أو في مدى تحمله للطقس أثناء حله وترحاله(4). أو في مجال نسخ الكتب وندرة وجودها ، أو توفرها ... أو لما كان يسود من مناخ مذهبي وسياسي وعسكري متأجج في القرنين السابع والثامن الهجريين ( المماليك وسياسة التوحيد الديني ، والصراع فيما بينهم على السلطة ، إضافة إلى نظام الإقطاع الذي كان أساس التركيز السياسي والإداري)، خصوصاً في بلاد الشام(5)، لنجد أو بالأحرى نلتمس الإيمان والتفاني والإقدام والتصميم في سبيل الهدف المبتغى عند الشيخ محمد بن مكي العاملي(6). إلى أن كسب لنفسه مكانة علمية مرموقة ... ففي قراءة لأساتذة ومشايخ الشهيد ، نجد أسماءهم في كتب الرجال والتراجم للعلماء والأعلام ، ولما قيل فيهم وما أخرجوه من مؤلفات مهمة ما زالت إلى اليوم تعتبر من أمهات الكتب والتصانيف ، وكأن الشهيد كان حريصاً على إنتقاء أستاذته ومنهله الفكري والثقافي ، وبالتالي أخذ ما يبتغيه من مصادره الأساسية وليس من روافده .
وبالعودة إلى الكم الكبير والنوعي لأساتذة ومشايخ الشهيد قراءة وإجازة ، يبدو أن خطة الشهيد الثقافية في مرحلة الإعداد الذاتي، قد اكتملت بعد أن فرض نفسه على تلك الأوساط الفقهية والعلمية والثقافية ، وكوّن لنفسه مكانة رفيعة بها عاد إلى جزين مسقط رأسه (مع ديمومة التردد إلى دمشق التي كانت في عصره من أهم العواصم الثقافية والسياسية على السواء). ومنها بدأ الجزء الثاني من حركته وخطته في العمل الفقهي والثقافي والتربوي والاجتماعي والسياسي ، لا بل والاقتصادي والعسكري(1). إذا صح التعبير .
من خلال ما تقدم وتأسيساً عليه ، يمكننا الوقوف على منهجية وشخصية الشهيد الأول العلمية التي ستؤسس للحركة العلمية المستقلة في جبل عامل ، والتي يمكننا أن نسميها رمزاً بمدرسة محمد بن مكي العاملي – مدرسة الشهيد الأول – وهي مفصل أساسي من مفاصل مشروع الشهيد النهضوي ، حيث خرجت من العلماء من همم اليوم أيضاً مادة لكتب الرجال والتراجم ، ونظراً لما صنفوه وألفوه ، ولما وصلوا إليه من درجات علمية وأدوار اجتماعية جعلت أسماءهم محفوظة في ذاكرة التاريخ ، والتي فتحت لهم –أي مدرسة الشهيد الأول(2)- آفاق التحرك في المستقبل الذي أسست له هذه المدرسة فكان العلامة الكركي ومشروعه النهضوي والإصلاحي في إيران ، والشهيد الثاني (والسلسلة الذهبية)(3). وغيرهم كثر...
 
2- مرحلة الإعداد الاجتماعي العام (الجزء الثاني من حركة الشهيد الأول) .
 
أ- جزين تمثل القطب من الرحى ، والأرض الصالحة لنمو المشروع العاملي:
لم يكن جبل عامل في العهد المملوكي ولا قبله يعرف الوحدة السياسية والإدارية بموجب النظام الاقطاعي الذي كان ساعداً ، بل كان موزعاً إلى عدة نواح تأخذ تسميات بحسب النظام الإداري المتبع للدولة الحاكمة . ففي العهد المملوكي ووفقاً للنظام الإقطاعي الذي تركز عندهم ، كان جبل عامل مقسماً إلى ولايات ومقدميات ، تابعة لنيابتي (مملكتي) صفد ودمشق(1)... "وكانت جزين مقدمية بتولاها المقدمون الخزرجيون ، يملكونها ويملكون ما يجاورها من القرى.."(2). وتتبع نيابة دمشق كما مر معنا .
ويبدو أن سلطة المقدمين كانت مغايرة لسلطة الولاة ، باعتبار أن المقدمين كانوا يؤلفون رأس العشيرة (نظام القبيلة) ، والتي يتضح أنها كانت تملك الأرض التي تقطنها مقابل تهيئة الجيوش، إلى حد أن تلك الأرض كانت تأخذ إسم العشيرة ، وهذا ما حصل بالنسبة إلى بني بشارة في بلاد جبل عامل الجنوبية (بلاد بشارة) ، لا بل إن آل المقدم اليوم في النبطية ووادي جيلو هم من سكان جزين أصلاً وأخذوا الكنية عنها(3). فلما كان الأمير يوسف الشهابي (ت 1204هـ/1789م) متولياً كرسي دير القمر ، كان كبير المقدمين في جزين هو المقدم علي محمد الخزرجي(4).
هذا وما نريد الإشارة إليه هو: أنه في كل حركة الشهيد وحضوره ومشروعه ، لم يظهر أي دور أو بالأحرى أي ذكر لمقدمي جزين سوى التوقيع اليتيم على وثيقة ابنة الشهيد الست فاطمة (خالهم المقدم علوان)(5).وهذه دلالة على تجاوز الشهيد للزعامات الإقطاعية التي برزت بعد استشهاده إلى المقدمة في الحياة السياسية العاملية(6)...
 
إذن كانت مقدمية جزين في تلك الحقبة تشهد حركة ثقافية بارزة(1)، يدل على ذلك ما ذكر من أحوال ساكنيها كوالد وجد الشهيد الأول(2)، وما ذكر من أن جزين كانت مقصداً للمعرفة ، ومجمعاً للعلماء والمفكرين من المشتغلين بالفقه وأصوله ، منذ القرن السادس الهجري(3)، بعدما افتتح إسماعيل بن الحسين العودي الجزيني(4) (ت 580هـ/1190م) الرحلة إلى العراق في طلب العلم . وحضر على علماء الحلّة ، ثم رجع هذا (الرائد) إلى بلدة جزين وفيها توفي ، ويبدو أن لهذا الرجل يعود الفضل في تكوين النواة العلمية في جزين التي كانت محط رحال أبن العود الحلبي(5)، الذي ترك حلب مرغماً بعدما فعله معه الحلبيون(6).
كذلك فإن ورود اسم جزين عدة مرات في تاريخ بيروت لإبن يحي ، مقروناً بكسروان(7) التي اتجه بعض أبنائها إلى جزين بعد فتوح كسروان لتشكل ملجأً لهم ، تعطي دلالة أخرى على أهميتها من الناحية الاجتماعية والسياسية والجغرافية والدينية(8). وهذا ما أعطاها صفة المركز السياسي والديني في جبل عامل .
 
ب. مدرسته في جزين وتلاميذه :
      باعتبار أن التربية تهدف إلى بناء شخصية الإنسان بشكل شامل ، ومتكامل ، ومتوازن ، وتفجر طاقاته ، وبالتالي إعداده كفرد مفكر مبدع متفوق ، معه تتأمن حرية الفرد والمجتمع . عكس الاضطهاد والظلم الذي ينتج شخصية ضعيفة ومشوهة ومضطربة ، وغير متوازنة . لذا تسعى التربية للتخلص من الظلم والاضطهاد وتحرير الفرد ، وبالتالي المجتمع كون التربية الحرة لا تتحقق إلا في ظل وجود مجتمع متحرر من التسلط ..يقوده قائد حر يمتلك الصفات التي تمكنه من تحقيق تلك الأهداف ..  
شكل إنشاء المدرسة ركيزة ورافعة ، لا بل انطلاقة لمشروع الشهيد النهضوي ، وهو العارف والعامل والعالم بمدى الدور الذي ستضطلع به هذه المدرسة . فمن ناحية ستكون أداة معرفية للمنطقة وأبنائها ، ينهلون منها معارفهم فتساعد على النهضة دون شك . وبالتالي فإنها ستوفر للمشروع النهضوي رواده وقادته ألا وهم تلامذته . وهذا ما حصل بالفعل .. خصوصاًَ عندما نعلم أنه رفض في العراق عرض "السادة الكبار والعلماء الأخيار ، فتمنوا دوام صحبته الشريفة ومطارحته اللطيفة ، والتمسوا منه السكنى ... والإقامة وأن يبين مشكلات الإرشاد في أيام تدريسه(1)، فبين مشكلاتها [ والتي سماها : غاية المراد في شرح نكت الإرشاد ] وهو بمشهد الحلّة(2) المقدسة وسلموا له بالإمامة ، فأبى إلاّ الإنطلاق ، وعقد للرحلة حبل النطاق ، فتودع من أولئك الأجلة ، وزيارة الأئمة سادة الأمة ، ورجع بعد زيارة بيت الله الحرام ، وزيارة سيد الأنام ، إلى بلده جزين معدن الكرم والعلم والدين . فأقرت به عيون العباد والمحبين . وأقبلت عليه أهل البلد. وحضر لديه الخاص والعام ، وسار ذكره في الأقطار ، وصار فضله لا يخفى كالشمس في رابعة النهار . ولم يزل مشيداً لدين الله ، وفي أكثر السنين حاجاً بيت الله إلى أن قتل ذبيح الله..."(3).
يبدو أن إنشاء مدرسة في جبل عامل ، وفي جزين تحديداً كان هدفاً أساسياً عند الشهيد الأول جسد من خلاله فكره التربوي المحكم ، والذي بدأه بنفسه (في مرحلة الإعداد والذاتي) ، ثم طبقه على أولاده حيث كان يحرص على الاستجازة لهم معه ومنذ طفولتهم(4)، ثم على تلامذته ، إن كان في الحلّة(5) أو دمشق(6) أو غيرها . ثم نضج هذا الفكر وأينع بتأسيس المدرسة التي اختصرت تجربته التربوية والعلمية التي ساح وجال لأجل تحصيلها على الكثير من المدارس والفقهاء المنتشرين على مساحة بلاد الشام ومصر والعراق والحجاز، ولتشكل محصلة قصد لا بل أصر على إقامتها في بلدته جزين(1) ، التي ستكون القطلب من الرحى في حركة مشروعه النهضوي العام حيث انبرى فكره التربوي ، لا ليقتصر على تلك المدرسة ، بل بات بمجمله ما يعرف اليوم بمدرسة الشهيد الأول الفقية.
في البدء ، وكما تبين أعلاه ، لم يقتصر تدريس الشهيد لتلاميذه على مكان ما ، بل تخرج عليه عدة منهم في بلاد شتى ، كدمشق والحلّة ومكة المكرمة وغيرهما ، كما تظهره إجازاته لهم(2). فكان الشهيد مدرسة سيارة أينما حل ورحل ، إذ يعتبر من كبار الرحالين المتجولين إلى أن قال عنه الزنجاني : " كان الشهيد في أسفاره كابن جبير في رحلاته"(3). "وكان إذا حضر في الشام أو بعلبك أو صيدا ، فكان يدرس ليلاً مذهب الشيعة للخواص من الشيعة تقية ، أما في بلدة جزين وفي قرى جبل عاملة ، لا يوجد أهل السنة قط ، فيدِّرس ما شاء ولكنه في تقية ، وهو في المدرسة كان ليلاً للشيعة ونهاراً لمن حضر منهم"(4). " ... في مدرسته رأس النبع ، وهي مدرسة عظيمة جداً ، وهي لمحضر الدرس..."(5).
بعد التأسيس ، طار لهذه المدرسة شهرة كبيرة في جبل عامل وخارجه(6)، باعتبار أنه لم يكن في جبل عامل إلى تاريخه حركة علمية ذاتية ، أي أنه لم يحصل تأسيس لدراسة منتظمة على نحو يعطي المنطقة استقلالاً علمياً ، وطابعاً مميزاً (كمدرستي الحلّة والنجف وغيرهما) ، كما حصل على يد الشهيد . هذا وإن كنّا نعرف شيئاً عن عدد من الفقهاء الذين أنجبهتم تلك الفترة دون الاستعانة بالمراكز العلمية خارج المنطقة (وعلى بعضهم زرعت بذور المعرفة عند الشهيد كما مر معنا) ، مما يشهد على وجود جذور للحركة العلمية التي تحققت فيما بعد ، لذا كنت ترى جزين محطاً لرجال العلم ومنتجعي الأدب حيث نبغ فيها عدد كبير من العلماء ... وهذا مؤرخ من جبل لبنان من القرن التاسع عشر يصف مشاهداته فيتحدث عن جزين قائلاً :
" كانت جزين في ذلك العهد قصبة مهمة محشودة بالسكان ، وكان فيها جامع كبير ومنارة (مئذنة) رفيعة(7)، وكان في جزين إثنا عشر شيخاً من العلماء الأفاضل"(8). لكن الظروف لم تسمح لهذه المدرسة الجامعة من أن تكمل عملها التثقيفي ومهمتها العلمية بنفس الوتيرة ؛ وذلك لسببين أولهما : غياب المؤسس عنها باكراً ، رغم أن الدلائل تشير إلى أن المدرسة تابعت عملها من بعده (وثيقة بنت الشهيد وجنازتها التي حضر فيها سبعون مجتهداً)(1) وكما ألمح المؤرخ أبو شقرا . أمّا السبب الثاني والأهم هو :  نزوح سكانها –أي جزين- الشيعة عنها ، بعد النزاع بينهم وبين القبائل الدرزية المجاورة سنة 1171هـ/1757م(2). بعدها أسست في جبل عامل مدارس عديدة منها مدرسة ميس الجبل التي تخرج منها الشهيد الثاني ، ثم على مثالها مدارس جباع ومشغرة وعيناتا والنبطية والكوثرية وكرك نوح وبعلبك – بناء على إلحاق هذين البلدين الأخيرين في جبل عامل(3). إلى ذلك يقول محمد مهدي الآصفي في مقدمة رياض المسائل " وضعت وتطورت مدرسة جزين بعد شهادة الشهيد رحمه الله ، واستقطبت طلبة العلم من مناطق مختلفة ، وأصبح جبل عامل بفضل هذه المدرسة ، وجهود الشهيد مركزاً للإشعاع الفكري في بلاد الشام خاصة والعالم الإسلامي عامة"(4).
 
ج. نتاج الشهيد الأول الفكري والعلمي :
وهو المحصلة المبدئية لجهد واجتهاد الشهيد ، وخلاصة فكره الذي شكل النصوص الشرعية والمرجعية الفقهية والفكرية للحركة النهضوية عند الشهيد الأول .
يتيمز نتاج الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي بسبكة الموضوعي ، واحتوائه على علوم شتى ، ومذاهب عدة ، وهي وإن كان أكثرها في الفقه والأصول والكلام ، فإن بعضها فيه من العلوم الرياضية والعربية كالفلسفة والحساب والهندسة والأخلاق والتاريخ والقصص والأدب والشعر وغيرها(5). فهو الشاهد على نفسه أمام السلطة المتمثلة آنذاك بييدمر حيث يقول:
(....)
عليـم بأنسـاب النبـي وآلــه      وأصحابه الأخيار ذخري وزاديـا
كـذاك كتـاب الله أبلـغ شـاهـد      وتفسـيره ثـم الحديـث رشـاديا
ونحـو وصـرف وفقـه وحكمـة      وأصلين مـع البيـان قيـاديـا
وشعر طريف مع عروض ومنطق      وعلـم بديـع آلتـي وزاديــا(6)
(....)
إلى ذلك أنشده الشيخ محمد جواد مغنية من علماء ومشايخ القرن العشرين الميلادي بقصيدة مطلعها :
 
أنظر لأسـفار الشـهيد فإنهـا        عـون لكـل مـدرس ومعلـم(1)
 
وبمعرض الحديث عن مؤلفات الشهيد يقول المحقق الشيخ رضا المختاري : " .. تجد فيها سلامة التعبير وجمال البيان ، تخلو من التعقيد والإسهاب والإطناب ، وربما أدى التزامه بمنهج الإيجاز والابتعاد عن الحشو والزوائد إلى عدم وضوح العبارة أحياناً.."(2).
أما تميزه عن أسلافه بالفقه الذي نال منه شهرة واسعة ، حتى أننا نجد فقهاء وعلماء المذهب الشيعي يعودون إليه في الكثير من مسائلهم ، والأخذ في آرائه ، باعتباره صاحب مدرسة فقهية منهجية(3)، حتى قبل فيه ، أنه أول من هذب الفقه الجعفري ، وأول من أفرده بالتأليف واهتم تجديده عن نقل أقوال المخالفين وذكر آرائهم(4). ونقل عن آية الله البروجردي أنه قال : " لقد امتاز فقه خمسة من الفقهاء لإحاطتهم بأقوال فقهاء العامة والشيعة ، وهم المحقق والعلامة الحلي وفخر المحققين والشهيدان ، ونقل عنه أيضاً : "أن الشهيد الأول أفضلهم في الفقه"(5). أما السيد الطباطبائي صاحب شرح الميزان فقال عنه: "إن مصنفات الشهيد الفقيه جسدت خصوصيات مدرسته في القفية"(6).
ورغم الفترة الزمنية لحياة الشهيد التي لم تكن بعيدة عن عصر المحقق والعلامة الحلي ، إلا أنه لم يتأثر بمدرسة هذين الفقيهين ، علما أنه تتلمذ في مدرستهما وعلى تلاميذهما . بل تقدم في ميدان الفقه ، وطرح ابتكاراته في منهج الاستدلال ، وتفصيل المسائل الفقية ، تبويب الفقه وتقسيمه . ودليل ذلك مؤلفاته خصوصا القواعد والفوائد ، والألفية والنفلية ، وتبرز بشكل واضح آراء الشهيد التجديدية في كتابيه ألذائعي الصيت : اللمعة الدمشقية والدروس الشرعية . . ولا بد من الإشارة هنا إلى نظرية الشهيد في استخراج " النسبة بين الصحيح والمعيب " وهي نظرية في الحقوق وليست في الفقه ، وهي برهان على المستوى الفكري الذي بلغه الشهيد من الدقة والوضوح(7)...
هذا ولا ننسى بأن الشهيد الأول هو من استحدث نظاما خاصا لجباية الخمس لمصلحة الفقيه المجتهد الجامع للشرائط أو (نائب الإمام)، وتوزيع العلماء في المناطق. وكان لهذا العمل الفكري والثقافي والتنظيمي الذي نهض به الشهيد ، ومن خلفه من فقهاء الشيعة ، دور كبير في حفظ التشيع في بلاد الشام . ومن المعروف أساسا أن الشهيد الأول هو أول من أسس لهذا التنظيم ، الذي يربط الفقيه المتصدي بالأمة بواسطة شبكة من الوكلاء . ويذهب البعض بالقول بأن هذا التنظيم كان وراء قتل الشهيد ([1])..  
ولئن كان الشهيد لم يمزج الفقه السني بالفقه الشيعي ، ولكن هذا أفاده إفادة كبيرة في توسيع آفاق فكره ومعرفته ، ومكنته من التجديد والتطوير . فقد قدر للشهيد أن يطور مناهج البحث الفقهي، ويوسع في إطارها ، وينظم أبوابها ومسائلها . ويحيط بأحكامها وفروعها ليصوغها صياغة جيدة، إلى أن رفعت كتبه إلى مستوى المرجعية في التقليد والتأليف والبحث
والدراسة(2)، والاهتمام إلى اليوم(3)... فقد فتح الشهيد في كتاباته أبواباً للباحثين من بعده ، كما سد فجوات كثيرة في البحث الفقهي من حيث المنهج والاستدلال ، وإليه يرجع الفضل في إطلاق النهضة العلمية العاملية ، وبه يبتدئ تاريخها ولئن سبقه بعض من العلماء والفقهاء(4)، فمؤلفات الشهيد كما ذكرنا هي موضع عناية الباحثين والدارسين والفقهاء على وجه الخصوص، واهتماماتهم دائماً وعلى امتداد تاريخ الفقه الجعفري . فكثرت التعليقات والشروح على كتب الشهيد من المتقدمين والمتأخرين ... وكثيراً ما يطالعنا في عديد من المصنفات آراء تستند للشهيد الأول(5). حيث قال فيه العلامة الكركي : " الشيخ الجليل الرئيس .. المنقطعة على آثار أنفاسه أنفاس العلماء الراسخين ، مهذب المذهب ... علامة المتقدمين والمتأخرين ، حلال المشاكل وكشاف المعضلات ..حبر العلماء والفقهاء .."(6).
3- مرحلة المواقف والعمل بالمشروع (الجزء الثالث من حركة الشهيد الأول):
أ- في العقيدة والكلام والفقه والفكر :
        تقوم العقيدة والفكر السياسي في الإسلام . كما الفقه أيضاً على مصدرين أساسيين: الكتاب (القرآن الكريم) والسنة النبوية . ومن ثم من مصادر أخرى تعتبر مكملة لهذين المصدرين .
فالمصدر الأول لا خلاف عليه بين المذاهب الإسلامية ، إلاّ ما اختلف في تفسير بعض الآيات ، لكن المصادر الأخرى ، وخصوصاً السنة النبوية ، فإن أهل الشيعة لا يأخذون بها إلاّ "أن تعود بإسنادها لأهل بيت النبي"(1) عليهم السلام ، وما جاء على ألسنة أئمتهم ومراجعهم ، أما المصادر الأخرى عندهم فهي الإجماع والعقل(2)، واقتصر الإخبارية منهم على الكتاب والسنة ، وعلم الأصول هو الباحث عن هذه الأدلة الأربعة . أما الاجتهاد فإن بابه مفتوح . وإنه يمكن في كل زمان وواقع لمن جمع شروطه ، وأنه لا يجوز الاجتهاد فيما قابل النص. ولا فيما خالف إجماع المسلمين ، ولا فيما خالف ما استقل به العقل . وهذا ما يجعل دائرة الاجتهاد ضيقة لإتمام شروطها خصوصاً لجهة المجتهد أو ( الفقيه ) الذي يجب أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية ومستجمعاً لشروط الاجتهاد(3) والذي سماه الشهيد الأول (نائب الإمام)(4).
ضمن هذه الثوابت يظهر الشهيد الأول مساهمته الفكرية في تجسيد العقيدة الإسلامية التي نستلمها من خلال رسالتين(5) له في الكلام هما : المسائل الأربعينية والعقيد .
في الأولى : يبدأ الشهيد بعد البسملة بإثبات أن : " 1-العالم حادث، بمعنى أنه مسبوق بالعدم سوى الله. 2-الله تعالى موجود ... لأن العقل قاضٍ بوجود موجود. 3-الله تعالى قديم... 4-...أبدي... 5-...الخارج عن الممكنات واجب الوجود ، فينتهي إليه. 6-...قادر مختار... 7-...عالم... 8-...حي... 9-...واحد لا شريك له... 10-...قادر... 11...سميع بصير... 12-...مدرك... 13-...متكلم... 14-...مريد وكاره... 15-... صادق في وعده ووعيد... 16-...ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض(6)... 17-...غير متركب من شيء... 18-...لا يحل في محل ولا جهة... 19-...غير متحدٍ بغيره، خلافاً للنصارى... 20-...ليس بمحل للحوادث ، لامتناع حدوثه... 21-...ليس بمرئي بالبصر في الدنيا والآخرة... 22-...ليس بمفتقر... 23-...ليس قادراً بقدرة ، ولا عالماً بعلم ، ولا حياً بحياة ، ولا موجوداً بوجود... 24-...العقل قاضٍ بحسن أشياء وقبح أشياء، كحسن الصدق والإنصاف ، وشكر النعم ، وقبح أضدادها ... ولأنه لولا ذلك لتعذر معرفة صدق النبي (ص) ولم يوثق بوعد الله تعالى ووعيده ، وفيه هدم للدين بالكلية. 25-نحن فاعلون لأفعالنا الحسنة والقبيحة ، والضرورة قاضية به... 26-الله تعالى عدل حكيم... لجواز إظهار المعجز على يد الكاذب(1)... ولأنه لو جاز منه فعل القبيح لامتنع الفرق بين النبي والمتنبي ... 27-...يفعل لغرضٍ... 28-اللطف واجب على الله تعالى... 29-التكليف هو إرادة واجب الطاعة... 30-الآلام الصادرة من الله تعالى وشبهها يجب عليه عوضها... 31-النبوة حسنة واجبة... 32-هو (ص) معصوم من الذنوب... 33-هو خاتم الأنبياء... 34-الإمامة زعامة (رئاسة)(2) عامة لشخصٍ من الناس في الأمور الدينية والدنيوية نيابة عن النبي... وهي حسنة واجبة، لما تقدم في النبوة آنفاً . وجوبها على الله تعالى فلأدائه إلى الهرج والمرج لو وجب على الأمة. 35-يشترط فيه : أن يكون معصوماً ... أفضل من رعيته... منصوصاً عليه من الله تعالى ، ومن النبي (ص)... 36-الإمام الحق بعد رسول الله (ص) بلا واسطة... علي بن أبي طالب... 37-الإمام الحق بعد علي (ع) ولده أبو محمد الحسن الزكي...ثم..الحسين الشهيد ...ثم... علي زين العابدين ...ثم... محمد الباقر ...ثم... جعفر الصادق ...ثم... موسى الكاظم ...ثم... علي الرضا ...ثم... محمد الجواد ...ثم... علي الهادي ...ثم... الحسن العسكري ...ثم... القائم المنتظر المهدي... 38-الإمام الحجة بم الحسن... حي موجود في هذا الزمان ... 39-هذه المسائل السابقة بأجمعها نظرية لا يجوز التقليد فيها ، ولا في بعضها ، بل الواجب إقامة الدليل على كل مطلوب عنها... 40-الإيمان اسم للتصديق بالله تعالى ، ولجميع ما جاء به النبي ... لا بد من المعاد(3)...
وفي الثانية: (العقيدة الكافية) وكأنها مختصرة للأولى فيبدأ الشهيد فيها بعد البسملة : "أشهدكم يا معشر المؤمنين ، أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً حياً قيوماً . لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ، وأن محمداً عبده ورسوله ... وأن خليفته على أمته ... علي بن أبي طالب ... ثم الخلف الحجة القائم المهدي (عجل الله فرجه).
واستدل على وجود الله تعالى ... على حدوث ما سواه بالتغير الزوال ... على قدمه... على وجوب وجوده ...
واستدل على نبوة محمد (ص) ... واستدل على المعاد ... واعتقد بجميع ما جاء به النبي (ص) من نبوة الأنبياء السالفة ... هذا اعتقادي ، وعليه أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى(1)...
يبحث الشهيد في مسائله موضيع فكرية واعتقادية جليلة ، تبتدئ بالوجود وبالله تعالى (واجب الوجود) . وتتدرج المسائل حلقة حلقة ، ومسألة مسألة ، بأسلوب منطقي فلسفي مكثف ومختصر ، يدل على خزانة علمية متدفقة . فهو بعد الوجودية ، والله تعالى وصفاته ولااستدلال عليه ، يصل إلى واحدة من أخطر النظريات التي شغلت علماء الكلام ، أعنى بها نظرية : الحُسن والقُبح العقليين . الأمر الذي يكشف لنا بوضوح تأثير هذه النظرية – وهي جذور فلسفية(2)- على الفكر الديني ، أو أنها نابعة منه ، باعتبارها منهجاً عقلياً ، لم يجد فقهاء الإسلام الذين انطبعوا بطابعه صعوبة اقتفاء أثره من أجل مواجهة المسائل الطارئة (بالإجتهاد) ، وهو الأمر الذي يدعوننا إلى الاعتراف (بالدليل العقلي) كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي . ولكي تتضح نظرية الشهيد الأول لا بد من استعراض آراء المذاهب الإسلامية الأخرى .
-       الأشاعرة : لا تكليف بالعقل وإنما بأوامر الشارع. 1-حسنة بذاتها. 2-قبيحة بذاتها... 3-بين الحسن والقبح : تدور مدار رأي الشارع نهياً أو إيجاباً(3).
-       المعتزلة : عكس ما تقدم ، وأن صفة الشيء حسنة أم قبيحة هي بذاتها ، وهذا ما يتفق إلى حد ما مع الشيعة الإمامية وعلى رأسهم الشهيد الأول(4).
-       أهل الجماعة (المذاهب السنية) : لا يعتقدون بالحسن والقبح العقليين ، لأن العقل عندهم لا يقضي بحسن شيء ما أصلاً ، ولا بقبح شيء ما على الإطلاق ، ... فما حسنه الشرع فهو الحسن ، وما قبحه فهو القبح ، والعقل لا معول عليه في شيء من ذلك بالمرة(5).
-       أهل الشيعة : ما قال به الشهيد الأول من أن العدل هو تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح وعن الإخلال بالواجب ، وأن الحسن ما يستحق على فعله المدح عاجلاً والثواب أجلاً ، والقبح ما يستحق على فعله الذم عاجلاً والعقاب أجلاً . وأن العقل يحكم بأن في الأفعال ما هو حسن بهذا المعنى وقبيح بهذا المعنى ، وإن لم يحكم به الشرع(1).
في سياق الإجماع الفقهي والفلسفي والمنطقي في الفكر العربي والإسلامي على ضرورة الإمامة ، يؤكد الشهيد الأول على هذه الضرورة بأن الإمامة (زعامة {رئاسة} عامة) لشخص من الناس في الأمور الدينية والدنيوية (نيابة عن النبي) وهو يطلق الحكم للإمام في كافة الأمور التي كان النبي يقوم بها أو يمارسها (دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية...).
لكن الشهيد وتأسيساً على الفقرة السابقة يقف عند مسألة غاية في الأهمية ، ليفرق بين مفهوم النبوة والإمامة كوريثة للأولى . باعتبار أن النبي كان يمتلك الإثنتين معاً. فهو لجهة النبوة رسول تعني : إبلاغ ما يوحى إليه من ربه ، أما الإمامة فهي : مسؤولية تجسد الرسالة واستمراريتها (تواصلها) بشكل ما . باعتبار أن الرسول مبلغ فقط كما في النص القرآني ، وإذا كان إماماً (كما هو الحال في إبراهيم (ع) الذي اسندت له الإمامة بعد سنين من رسالته ، ليلزم ببناء الأمة وقيادتها وتحمل المسؤولية الاجتماعية . بينما كان السيد المسيح رسولاً فقط)(2).
ومن هنا – وبحسب الشهيد- كانت الخاتمية في نبوة محمد ، لا في إمامته التي لا بد من تحققها من بعده بالتواصل ، وهي حسنة واجبة لما تقدم في النبوة ، أي لما فيها من الدلالة على المصالح والأمر بها والمفاسد والنهي عنها . وأما وجوبها فلأنها لطف ، وكل لطف واجب ، ولأن الناس بها (أي الإمامة) أقرب إلى فعل الطاعات وأبعد عن فعل المعاصي ، لذلك وجوبها على الله تعالى (كما النبوة) فلأدائه إلى الهرج والمرج (الفوضى) لو وجبت على الأمة . وفي كلام الشهيد هذا مفارقة مهمة إذا ما قارناها بالفقه الإسلامي الآخر (السني) التي تتجلى عند الماوردي كفقه تبريري للسلطة الحاكمة ، ووجوب طاعة المتأمرين (كخليفة النموذج التاريخي) بواسطة الشرع / الجماعة ، واستبعاد دور العقل المعول عليه عند الشيعة عامة والشهيد الأول خاصة(3).
إضافة لما تقدم ، وتوضحياً للدخول في باب الاجتماع السياسي . لا بد من التذكير بأن موضوع الإمامة هو مصطلح شيعي في الأساس(4)، حيث أطلق عليهم اسم (الشيعة الإمامية). وفي التجربة التاريخية للإمامة يتواصل الديني والسياسي ، لا بل يندمجان ، خصوصاً عند الشيعة والذي يعتبر محمد بن مكي العاملي " من كبار الشيعة في تاريخهم(1)؛ الذي يعود الفضل إليه في إغناء التشيع بالفكرة السياسية المتصلة بالإمامة أعني بها " ولاية الفقيه " أو " نائب الإمام " في ظل غياب الإمام المهدي المنتظر..."(2). وقال عنه فقيه سني شهير ، عرفه معرفة وثيقة "... شيخ الشيعة والمجتهد في مذهبهم ... قامت عليه البينة بآرائه... فحكم بإراقة دمه ... وأمره إلى الله تعالى"(3). وهذه إشارة واضحة إلى مشروع الشهيد الفكري والنهضوي...
إلى ذلك تتجلى فقاهة الشهيد الأول وعلوّ شأنه في سيرته العلمية ، لكن مؤلفاته ترسخ عندنا الموقع الفقهي المتقدم الذي بلغه ، وحسبنا دليل ما ذكره بحقه بعض كبار الفقهاء. فكتب أستاذه فخر الدين في إجازته له : "مولانا الإمام العلامة الأعظم ، أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم" وذلك عام 756هـ(4).
 أما أستاذه شمس الأئمة الكرمائي الشافعي في إجازته له قال: "المولى الأعظم الأعلم، إمام الأئمة. صاحب الفضلين، مجمع المناقب والكمالات الفاخرة..."وذلك في بغداد عام 758هـ(5).
ووصفه أستاذه إبن معية في إجازته له عام 754 هـ. : "مولانا الشيخ الإمام العالم الفاضل، شمس الملة "والحق والدين..."(6).
وقال أستاذه عبد الصمد بن إبراهيم بن الخليل ، شيخ دار الحديث ببغداد ، في إجازته له : "الشيخ الإمام العلامة ، الفقيه البارع الورع ، الفاضل الناسك الزاهد..."(7).
        وذكر كاتب سيرته تلميذه الشيخ محمد بن علي بن الوحيد البتديني : "شيخنا الفاضل المحقق المدقق، علامة دهره ووحيد عصره ، عديم النظير في المشارق والمغارب ، أقرت لفضله فضلاء الأعاجم والأعارب [ والأعراب ] ، ولقد جدد شعائر سنن الحنيفية . وشيد دين الفرقة الأثنا عشرية في جبل عاملة. وبه اقتدى بعد من رام تحصيل الفضائل، وعلى طريقته جرى من تحلى بالوصف الكامل ، قد أمر ورغب في تعمير مساجد الله، وأشاد بنيانها، ورتب وظايف الطاعات فيها وعظَّم شأنها... فو الله لقد كان سبباً للخير في تلك الأرض . ومفتاحاً للدين. ومن ظُلمة الجهل أخرجهم إلى النور المبين..."(8).
وقال تلميذه الآخر السيد محمد بن أحمد الموسوي البعلبكي : "شيخنا العالم العلامة النجيب الأصيل ، البدل النحرير ، الفاضل المتبحر ، صاحب الكرامات الخارقة ، والأنفاس الصادقة ، والأحوال الفاخرة ، والأنوار الباهرة ، والمكانات العالية ، والمناقب السامية ، والمذاهب الجزيلة ، والأوصاف الجميلة..."(1).
أما تلميذه ابن الخازن الحائري فقال فيه : "شيخنا وإمامنا العالم الفاضل الزاهد ... كان عالماً ماهراً فقيهاً محدثاً مدققاً متبحراً كاملاً ، جامعاً للمعقول والمنقول ، زاهداً عابداً ورعاً ، شاعراً أديباً منشئاً ، فريد دهره ، وحيد عصره ، بل عديم النظير ، إليه انتهت رئاسة المذهب والملة ، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة..."(2).
وقال تلميذه بالإجازة الشيخ محمد بن عبد العلي بن نجدة:(3) "شيخنا وإمامنا المحقق ... الجامع منقبه العلم والسعادة، ومرتبة العمل والشهادة.. أعلا الله درجته كما شرف خاتمته... كان الإدراك عن كنهه قاصراً. والعلم عن كفايته فاتراً. وهو كريم الأبوين، عظيم القدر في الخافقين. فايق في العلم والحكمة والآداب. فاضل تحرير في مراسم السؤال والجواب، عالي الهمة، كبير النفس، بعيد الغور، قوي الحدس، لطيف العبارة، وحين اللفظ دقيق الإشارة ثابت الرأي في البأساء والضراء، عادل في الخصومات، كامل في الأحكام والحكومات، عارف بتصاريف الأمور، واقف على ضمائر الجمهور... والي(4) المناصب في جميع الأوقات، برئ من الأخلاق الذميمة، عدي(5) الوحشة والنميمة، ناصح للملوك والسلاطين فيما يتعلق بشأنهم، معرضاً عما في أيديهم، شديد الأنفة عن أموالهم(6) في العار(7)، معتقد للصالحين والأبرار. لين الجانب في المعاشرة، سهل العريكة في المطالبة... مربي نوع الإنسان، يؤثر على نفسه أخوانه، ... مصيب في الفراسة. مكارم أخلاقه في الآفاق مشهورة... ما من إنسان إلاّ وهو رطب اللسان يذكر الطافه. وإحسانه واتصافه. وهو غائص في أنواع العلوم وجوامع الكلم، له اليد الطولى في أقسام الرياضيات على اختلافها، والأحاديث، والتفاسير... محسن للأعادي... وافر الأنس مع الطلاب والأصحاب، كثير الشفقة على الواحد والجمع. عالم بالحكمة الإلهية ... شأنه ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾(8) بيانه ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك كريم ﴾(9).
وقال تلميذه الملتحق به في جزين الشيخ حسن بن سليمان الحلّي(1): "...الذي أشرقت بالفضل أقمار شموسه ، وزخر بالعلم عبابه وقاموسه ، فدوخ صيته الأقطار ، وطار ذكره في مناكب الأرض واستطار ... استنزل عصم البلاغة من صياصيها ، واستقل بركاب البراعة فشفع بنواصيها ، إن نثر ؛ فما اللؤلؤ المنثور انفصم نظامه . وإن نظم ؛ فما الدر المشهور فسق نظامه . لم يزل مدرساً في مدرسة رأس النبع ببلدة جزين ... إلى أن نكد عليه المرتدون والوشاة من أبناء الزمان ، بعد أن أصلح العباد ، وأحيى الدين في البلاد ... وهو شهيد ، والله على كل شيء شهيد..."(2).
ـ هل الشهيد الأول كان صوفياً ؟
بعد أن أصبح الشهيد "أفقه جميع الآفاق"(3). إلاّ أنه كان يتظاهر في الشام بالشافعية "وكانت من السعة بحيث كان يدرس في حلقة الدرس بدمشق ، وصار مرجعاً للمذاهب الخمسة ، وأن ذلك أدى إلى ثوران حسد زملائه الفقهاء"(4). وبذلك يقول :
بلينا بقـومٍ أهـل مكرٍ وعندهـم       دهاءٌ ، فهم أمثال حمـر فـواره
إذا شئت أن تحظى بجاهك عندهم       تجاهل وإن أوتيت علمـا فـواره
وله أيضاً :
شغلنا بكسب العلم عن طلب الغنى       كما شغلوا عن مطلب العلم بالوفر
فصار لهم حظ من الجهل والغنى       وصار لنا حظ من العلم والفقـر(5)
وحيث أنه والحالة هذه ، لا بد أنه كان عارفاً بالتصوف الذي انتشر بشكل واسع في عصر الشهيد ، أي القرن الثامن الهجري ، إلاّ أنه من المستبعد أن ننسبه إلى التصوف رغم وجود بعض الآثار الصوفية عند محمد بن مكي العاملي(6). خصوصاً عندما عرفنا أن الشهيد كان ملماً في كافة حقول المعرفة ، ولم يمنعه ذلك من تعلم السحر والرد على السحرة ، لا بل وضع قاعدة فقهية بذلك وردت في كتابه اللمعة الدمشقية في باب المكاسب(7)، لا شك أنه مارسه في مقابل الرد على حركة تلميذه اليالوشي الذي ادعى النبوة في جبل عامل لمناسبة إبطال سحره(8).
هذا وللشهيد "قصيدة في العرفان "والأخلاق والتقوى وذم طريقة المتصوفة"(1) يهاجم فيها ظاهرية التصوف من أصحاب المسابح والخرق والعكازات والزهد الظاهري(2)، لينتهي بدعوته إلى العرفان والتفكر(3)... متأسفاً لمن يدخل الحالة العرفانية بعد دعوته إليها ويبقى على تصوفه المنافي برأيه للدين ... بعد أن وصفهم بالتخلف حيث يقول :
بالشوق والذوق نالوا عزة الشرف      لا بالدنوف ولا بالعجـب والصَلَفِ(4)
(...)
يا شقوتي قد تولـت أمة سـلفت      حتى تخلفت في خلفٍ مـن الخلـفِ
(...)
ليس التصوفُ عكازاً ومِسـبَحة       كـلا، ولا الفقـر دَلقَكَ(5) الشـرف
(...)
وتظهر الزهد في الدنيـا وأنـت على      عكوفها كعكوف الكلب في الجـيف
الفقـر سـر وعنـك النفـس تحجبه     فارفع حجابك تجـلُ ظلمة السَدَف(6)
وفارق الجنس وافنِ النفـسَ في نَفَـسٍ     وغب عن الخمسِ واجلب دمعة الأسف(7)
واتل المثاني وجـد إن عزمـت على     ذكر الحبيب وصف ما شئت واتصـف
(...)
وقـف على عرفـات الذل منكسراً        وحول كعبـة عرفـات الصفا فطـف(8)
(...)
 
ولهذا فقد تعرض الشهيد في كتابه : الدروس الشرعية (كتاب الوقف) بالحديث عن المتفقهة والصوفية ، ووصف الصوفية بأنهم "المشتغلون بالعبادة ، المعرضون عن الدنيا"، ورسم لهم آدباً ورسوماً حددها : "والأقرب اشتراط الفقر والعدالة فيهم ، ليتحقق المعنى المقتضى للفضيلة ، وأولى منه اشتراط أن لا يخرجوا عن الشريعة الحقة ، وفي اشتراط ترك الحرفة تردد ؛ ويحتمل استثناء التوريق والخياطة وما يمكن فعلها في الرباط ، ولا يشترط سكنى الرباط ، ولا لبس الخرقة من شيخ، ولا زي مخصوص"(1).
لا شك أن هذا كله لا يحدد صورة معينة للتصوف الذي قصد إليه الشهيد الأول ، ولكنه يشير إلى الأثر الصوفي فيه بوصفه فقيهاً شيعياً من وزن ابن بابويه والسيد المرتضى(2). إذن فالشهيد يميل إلى التصوف المعتدل "الذي آنسهم نور ربهم وحسنوا السير به قدماً في درب الإيمان" الذي يمكنننا القول بأنه الإيمان العرفاني ، وهذا بعيد عن التصوف في أشكاله التي عرضها الشهيد وانتقدها بحسب قصيدته الفائبة .
على ضوء ما تقدم يمكننا القول بأن الشهيد لجأ إلى المتصوفة من باب التشريع الفكري، والاستفادة من إيمان الصوفي ، ليصل إلى الإصلاح كحركة(3) في مشروعه النهضوي يعتبر   - كما أسلفنا سابقاً - من روادها . وإنتقاد الشكل عندهم ليستخلص الحسن ويترك القبيح ، وعلى
 
هذا الدرب سار العلامة الكركي عندما استطاع قلب الدولة الصفوية من التصوف إلى التشيع(4)...
هذا ويعبر الشهيد شعراً عن عقيدته فيقول :
 
إني بحـب محمـد ووصيه       وبنيهما يا رب قد علقت يدي
(...)
وأمنن عليَّ برحمةٍ أنجو بها       يوم الحساب بحق آل محمد(5)
 
يبقى الإشارة إلى موضوع الوحدة الإسلامية بكافة أطيافها ، والتي كانت من ضمن أهداف المشروع النهضوي للشهيد ، والذي أسس له باكراً أيام التلمذة حيث استجاز كبار علماء المذاهب الإسلامية كما ذكرنا آنفاً . لا بل فإن مجلسه في دمشق كان زاخراً في الحوارات والنقاشات مع فقهاء وأتباع تلك المذاهب ، وكذلك في موسم الحج باعتباره موسماً للقاء والحوار تماماً كما هو موسم في ضيافة الله(1)...
 
ب. في الاجتماع السياسي :
ـ رؤية أو نظرية الشهيد الأول :
      السياسة لغة ، من السَّوْسُ : الرياسة ، وإذا رأسوه قيل : سَوَّ سُوه وأساسوه. وساس الأمر سياسة : قام به ، وسُوِّس فلأن أمر بني فلان : كلِّف سياستهم . والسياسة : القيام على الشيء بما يصلحه . والسياسة : من فعل السائس – سايس الخيل(2)-
وإنطلاقاً من نظرية الشهيد الأول في الإمامة باعتبارها زعامة (رياسة) عامة. لشخص معنى الناس في الأمور الدينية والدنيوية (دين وسياسة) نيابة عن النبي(3)... ومنشأ هذه النظرية من رؤية الإمام علي: من أن الحكم لله(4) ﴿...إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيم﴾(5). والدين لغة: السيادة والسلطة والحكم(6). فالسيادة: هي سيادة النص الإلهي (القرآن) والسنة النبوية (الشريعة) ، أو السيادة القانونية والشرعية . والسلطة والحكم : هي الالتزام بالسيادة القانونية والشرعية(7)، التي هي – بحسب نظرية الشهيد – لله وللنبي الموحى إليه ثم الأئمة المعصومين، أولهم الإمام علي، الموصى له من النبي – ديان هذه الأمة بعد نبيها(8)- والديان: من أسماء الله الحسنى ومعناه: الحَكَم القاضي – فيكون الإمام علي قاضيها وحاكمها (سائسها) والذي يقول: "إن من نصَّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه"(9). وآخرهم المهدي المنتظر، وفي حال غيبة الإمام يكون (نائب الإمام)(10).
إذن في تصور الشهيد لنظرية (نائب الإمام) يكون قد حدد مشروعه السياسي كقائد (زعامة أو رياسة)(1) دون أن تشغله هذه الفكرة (أنا الحاكم) عن الهدف (نحن / الأمة) في بناء مجتمع متكامل . تسوده الشرعية الحقة(2)، لا بل أن حركته الفكرية والثقافية (المضنية)، والتي اتخذت في البدء دور الحصاد الفكري من كل الاتجاهات الفكرية ، لتبولر عنده خط الإصلاح ، بمعنى Evolution أي:  الحركة النهضوية أو – تجديد وإحياء الإسلام(3)- بالنفي الحاسم لكل الشوائب التي اعترت التاريخ الإسلامي ، والقائمة على عدم تخدير المجتمع ، ومسخ العقل(4)، وتقييد حرية وحركية الفكر وواقعيته ، بل في إطار بناء حركة فكرية وإجتماعية ناهضة تغييرية (عمادها المدرسة) على أساس القرآن والسنة ، في ضوء تعاليم أهل البيت ، تحت قيادة (عمادها) العلماء المجتعهدون (نائب الإمام) ، (والشهيد هو أول من هذب ... الفقه(5)...). حيث لا إصلاح ديني في الإسلام ، بل إعادة النظر في الرؤية والفهم للروح الحقيقية للإسلام . وهذا من الطبيعي أن يكون عكس مفهوم الإصلاح الغربي LA REFORME الذي كان بمثابة عامل إثارة وإيقاظ ، وفر المناخ المساعد للرقي والتقدم في أوروبا دون أن يحسب روادها لهذا ... لكنها قامت على تحديث الدين المسيحي ، بمعنى إعادة النظر فيه(6)... أما عند الشهيد فكانت بمعنى الإجتماع السياسي (نحن)، القائم على فهم السياسة الاجتماعية كدور وخدمة تربوية وثقافية تعليمية ، تؤدي إلى تكامل المجتمع ونهوضه، انطلاقا من الفرد والإنسان ، ودوره الأساسي في تحصين المجتمع عن طريق الهداية (هداية المجتمع...).
وهذا مفهوم أيضاً معاكس لمفهوم السياسة التي تعنى الحكم والسلطة ، التي تؤمن السيادة على الإنسان (إدارة المجتمع) –الماوردي وابن تيمية(7)- بينما هي عند الشهيد الأول كانت تسعى لتأمين سيادة الإنسان الذي تؤمنه الشرعية الحقة له . وتكامله بالمعرفة والتربية والأخلاق النابعة من العقيدة ، بمعنى التدبير –أي السياسة- كنموذج متواصل للرسالة النبوية، باعتبار أن السياسة هي جزء من الرسالة . وتغترف منها(8).
أما في الغرب فقد وقفنا على الحد الفاصل بين الدين والسياسة ... كذلك في نموذج الدولة السلطانية في الفقه السياسي الإسلامي (السني) ، الذي وصل في آخر المطاف إلى نفس النتيجة التي توصلت إليها التجربة الغربية في رسم حد بين الدين والسياسة(1)...
وبهذا يكون الشهيد قد لعب دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والفكرية ، بالعمل من خلال إمكانته الثقافية والفكرية ، ومنها تأسيسه لمدرسته في جزين ، والتي ارتادها عدد كبير من الطلاب لم يقتصر على العامليين(2). وكذلك في الحياة السياسية . ولكن ليس على مستوى السلطة ، بل على مستوى الحضور والمكانة التي أمنها له الدور الفكري والثقافي في على مستوى الاجتماع السياسي ، والذي من خلاله استطاع أن يبني علاقاته مع السلطة ، وبالتالي أمن لنفسه حرية الحراك السياسي في المجتمع العاملي متجاوزاً النظام (السياسي والإداري) الإقطاعي ، المحلي والعام ؛ في جبل عامل وبلاد الشام(3). حيث أننا ومن خلال مجمل سيرة وحركة الشهيد لم نلحظ أي دور لرجالات الإقطاع سوى من كان يقف خلف حركة اليالوشي ويدعمها ، وبعدة الخيامي(4)...
 
ج. العمل مع السلطان : (السياسة الاجتماعية على المستوى العام في بلاد الشام).
1- فقيه السلطة (الموظف) وسلطة الفقيه (الحر / القائد).
هذه الإشكالية (العمل مع السلطان)(5) مسحوبة على تحول الخلافة إلى ملك   عضوض ، وبالتالي الحد الذي وضع بين الدين والسياسة ... نتيجة لرعاية السلطة للفقه السياسي وفقهائها ، الذين تحولوا إلى موظفين براتب ، لتتحكم بهم أهواء السلطان تعييناً وخلعاً وسجناً... وحتى القتل أحياناً(6). كل ذلك على حساب الشريعة . وخلاصة التجربة هي أن الفقيه الموظف يعني الخضوع التام للسلطة ومتطلباتها . ومن صورها : الشدة ، والعقاب ، وفرض الأوامر ، والتهديد والوعيد والتوبيخ والإحراج ... والعنف ، والتمييز ، والحرمان من الحقوق التي تتعارض ومصلحة السلطة، ومصادرة الحركة ، وعدم مراعاة إنسانية الإنسان . كل ذلك بدلا من التركيز على الحرية التي تخرج الفقيه من دائرة الخضوع المطبق إلى أفق القيادة الأرحب ، برفع القيد عن حرية الكلمة والفكر والحركة ، بممارسة حقوق الإنسان وتفجير طاقاته بممارسته لحرية الإرادة وتقرير المصير وهذا جل ما فعله الشهيد ..
 في الجانب الآخر لم تحز السلطة هذه (الملك العضوض) على شرعيتها من أغلب فقهاء الشيعة الإمامية ، الذين بقوا على مسافة منها. لا تقيدهم حركة الفقه (الذي لا انفصام فيه بين الدين والسياسة) سوى ما تقتضيه الشريعة والواقع(1). وينسحب ذلك على الحراك الاجتماعي والسياسي إلى الاقتصادي (أموال الخمس) ، وهذا ما أثار بوجههم صعوبات جمة ما أدت بالعديد منهم إلى السجن والقتل والتنكيل...
في التجربة الرائدة عند الشهيد الأول ؛ التي لم يخالف فيها أسلافه في المواقف من السلطة والدخول معها ، بل أثبت بها حضوره ورصانته تجاهها ، فبادلته بالاحترام الزائد . وكسلطة معنوية فرضها من خلال علو شأنه الفكري والمعرفي ؛ ولا شك حسن إدارته ودقة خطوطه في شبك تلك العلاقات ، والتي إزاء ذلك استطاع التفلت من القيود الإدارية للسلطة الحاكمة... (برغم الصعوبات والتضييق حتى السجن مراراً) ليعاني أكثر من فقهائها الموظفين الذين لم يروا في تجربته وحراكه وحريته ، إلاّ الغيرة والحسد والكيد له(2)، ولم يراعوا فيها للشرع قضية ، بل تمادوا في غيهم(3)... دون أن يتمكنوا ؛ وبعد العديد من المحاولات ، من القضاء على تجربته (ومشروعه النهضوي) كفقيه حر ، إلاّ بالتخلص منه بالقتل بتهمة مزيفة بعيدة كل البعد عن الحقيقة ... وهكذا صار(4)...
ـ اتصاله لحكومة علي بن مؤيد "سطان العجم"(5):
إلى تاريخ الكشف عن مخطوطة مختصر نسيم السحر ، لم ترشدنا المصادر والمراجع إلى تفاصيل علاقة الشهيد بابن المؤيد سوى الرسالة من الأخير للشهيد بواسطة مبعوثه محمد الآوي يدعوه فيها ليكون فقيه خراسان(6)، وعلى أثرها كتب له الشهيد "اللمعة الدمشقية" وهو في السجن "عام 782هـ"(1)، ثم أن وثيقة الست فاطمة ابنة الشهيد أشارت وبشكل عابر إلى "القرآن المذهب المعروف بهدية علي بن مؤيد.."(2).
هذا وإن كانت هاتان الوثيقتان تدل على علاقة واتصال وتواصل ما بين الرجلين؛  وتنم عن احترام وتقدير كبيرين وفق سياق ومضمون رسالة إبن المؤيد . إلاّ أن مختصر نسيم السحر كشف لنا عن مكاتبه " علي بن المؤيد إلى الشريف الشهيد ثلاث مرات... وهو في العراق مرتين"(3). تعود أولاها إلى يوم كان الشهيد يتتلمذ في الحلّة وذاع صيته ، حينها طلب منه التوجه إلى بلاده ، فأجابه واعتذر..(4). "وهذه الثالثة إلى الشام واتفق أنه في الحبس... فاعتذر إليه وكتب جواباً شريفاً لطيفاً معتذراً ، كما كان قد اعتذر إليه سابقاً . وكتب له مع الجواب رسالة شريفة . مشتملة على المسائل العجيبة ، والنكات الغريبة ... بما يناسب حال الملوك في مجالسها ، وبما يكون به بقاء ملكها(5). فلما رآها الصالح العارف الأديب شمس الدين محمد الآوي قال : هذه رسالة حسنة جداً ، ولكن لا تصلح ولا تناسب إلاّ له أو لأمثاله ، فينبغي أن تكتب شيئاً ما يعم نفعه ويكثر فعله . ويجب شرعاً فعله في كل آن وزمان ... [ وكتب اللمعة الدمشقية ] ، وجميع ما كتبه لعلي بن مؤيد في اثني عشر يوماً ، اللمعة تمت في سبعة أيام ، وتلك في ستة أيام..."(6).
إن عزوف الشهيد من تلبية طلب إبن المؤيد بالذهاب إلى خراسان والاعتذار منه ، تختلف عن اعتذاره من كبار علماء الحلة الذين "تمنوا دوام صحبته الشريفة ومطارحته اللطيفة... وسَّموا له بالإمامة . فأبى إلاّ الانطلاق وعقد للرحلة حبل النطاق..."(7).
ففي الأولى : يبرهن عن وضوح مشروعه النهضوي وخطته ، وقناعته بالبعد عن الخضوع للسلطان والعمل تحت سلطته كفقيه موظف ، مما يقيد حركته وحريته ، فوق أنها منافية للشرع باعتبار أن الفقه الشيعي وكما ذكرنا يحذر ويمنع ذلك ، إلاّ في ظروف محددة ، وهذا لم يمنعه من التواصل معه وإرشاده وتزويده بما يوافقه الشرع ونشر تعاليمه السمحاء(8).
أما في الثانية :- أي الاعتذار من كبار علماء الحلة -  فيبدو أن الشهيد قد اختار ميدان السبق لمشروعه النهضوي في بلاد الشام ، انطلاقاً من بلدته جزين ، أيضاً ليأخذ مداه في حرية التجديد الذي فيه بلغ مبلغاً كما أظهرته مؤلفاته وأسلفنا الحديث عنها  ، وهنا يكون الشيخ البتديني مؤلف نسيم السحر قد أحسن التعبير والتوصيف لحال أستاذه وابن بلده الشهيد بالقول : "أبى إلاّ الانطلاق" (بمعنى التحرر من قيده)، "وعقد للرحلة حبل النطاق" (معنى سعة الأفق)، ولعله هنا أراد الإشارة إلى إطلاق الشهيد لمشروعه بحرية وسعة أفق ...
 
3- الشهيد وأرباب السلطة المملوكية : (منجك وبيدمر وبرقوق) :
إن إصرار الشهيد ، لا بل تصميمه على إطلاق مشروعه النهضوي وحراكه الاجتماعي والسياسي في بلاد الشام عامة ، وجبل عامل خاصة ، ومن بلدته جزين بالتحديد ، وفي ظل دولة المماليك ، لهو قرار إقدام يستحق الوقوف عنده لنقول ، إنه ليس قرار مجازفة أو تحد ، بقدر ما هو عمل مضني رأى الشهيد بذكائه وسعة أفقه وبصيرته ، المتاعب والتضحيات والمخاطر المطلوبة لإنجازه ، تماما كما رأى سمو وعلو نتائجه على الأمة والدين معا .. فهو بالفعل مشروع إصلاح نهضوي وشهادة(1)...
فبعد مرحلة الإعداد الذاتي ، أي بعد عودة الشهيد من الحلّة ، بدأ المشروع يأخذ حيزه إلى التطبيق. ومعه بدأت المضايقات والمعاناة والتهديدات ، لكنه يبدو أنه أصاب رميه باكراً. ويدل على هذه النتائج النص الذي أثبته القلقشندي (ت 821هـ/1418م) كنموذج لما يكتب في الأوامر والنواهي الدينية ، صادر عن والي دمشق (بتاريخ 25 جمادى الآخرة سنة 764هـ)(2) والذي يشير إلى رصد تحرك ؛ أو بالأحرى حركة شيعية واسعة .
بعد البسملة والحمد لله والدعاء ، جاء في الأمر بعد ديباجة كتبت تقديماً للنص: "...بمنع أهل صيدا وبيروت وأعمالهما من اعتقاد الرافضة الشيعة وردعهم ... ومنع أكابرهم من العقود الفاسدة ، والأنكحة الباطلة ... وأن كل من تظاهر بشيء من بدعهم ، قوبل بأشد عذاب وأتم نكال... إلى أن يعلنوا جميعهم بالترضي عن العشرة [ المبشرين بالجنة ](3)...
      وقد بلغنا أن جماعة من أهل بيروت وضواحيها ، وصيدا ونواحيها وأعمالها المضافة إليها، وجهاتها المحسوبة عليها [ ويقصد قرى وبلدات جبل عامل التي كانت تتظاهر بالتسنن ، تقية ..] ، ومزارع كل من الجهتين وضياعها وأصقاعها وبقاعها(1)، قد انتحلوا هذا المذهب الباطل وأظهروه ، وعملوا به وقرروه ، وبثوه في العامة ونشروه ، واتخذوه ديناً يعتقدونه وشرعاً يعتمدونه ، وسلكوا منهاجه ، وخاضوا لجاجه ، وأصّلوه وفرعوه، وتدينوا به وشرعوه ، وحصّلوه وبلغوه إلى نفوس أتباعهم ... وقدموا حكامه [ أي قضاته ؛ وهم العلماء والفقهاء المجتهدون ] ، وتمموا بتبجيله وإعظامه ... ولأعلام علمه حاملون ، وللفساد قابلون ، وبغير السداد قائلون ، وبحرم حرامه عائذون ، وبحمى حمايته لائذون ... وأنهم يسبون خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين [!!؟]، ويستحلون دم أهل السنة من المسلمين [!!؟]  ، ويستبيحون نكاح المتعة ويرتكبونه ، ويأكلون مال مخالفيهم وينتهبونه [!!؟] ، ويجمعون بين الأختين في النكاح [!!؟] ، ويتدينون بالكفر الصراح(2)، إلى غير ذلك من فروع هذا الأصل الخبيث ، والمذهب الذي ساوى في البطلان مذهب التثليث(3)، فأنكرنا ذلك غاية الإنكار ، وأكبرنا وقوعه أشد إكبار ، وغضبنا لله تعالى أن يكون في هذه الدولة للكفر إذاعة ، وللمعصية إشادة وإشاعة ، وللطاعة إضافة وإضاعة، وللإيمان أزجى بضاعة(4)، وأردنا أن نجهز طائفة من عسكر الإسلام ، وفرقة من جند الإمام، تستأصل شأفة هذه العصبة الملحدة [!!؟] ، وتطهر الأرض من رجس هذه المفسدة، ثم رأينا أن نقدم الأنذار ، ونسبق إليهم بالأعذار ، فكتبنا هذا الكتاب ، ووجهنا هذا الخطاب ، ليقرأ على كافتهم ويبلغ إلى خاصتهم وعامتهم، يُعلمِهُم أن هذه الأمور التي فعلوها ، والمذاهب التي انتحلوها ، تبيح دماءهم وأموالهم ، وتقتضي تعميمهم بالعذاب واستئصالهم(5)...".(6).
هذا النص يسعفنا في الإشارة إلى النتائج المبكرة لحركة الشهيد الأول . ومنها أنه اعتقل أيام منجك (ت776هـ) والذي أحسن له وأطلق سراحه بحسب القصيدة الرائية للشهيد التي يقول فيها مخاطبا بيدمر : ( فكن كـ(منجك) بل الله أعظمه)(7).
ثم أن نصا آخر أخرجته لنا مخطوطة نسيم السحر تبين مدى تقدم مشروع الشهيد . بالمقابل تألب المناهضين له من الحساد والمارقين ، يقول : " : أن رجلاً عالماً فاضلاً بزعمه من علماء الشافعية، وهو عباد ابن جماعة(1)، كان شريكاً له في الدرس في أوائل التحصيل والدرس في المعقول، كالنحو والمنطق والأصول، على بعض الشيوخ في الشام والقدس ومصر والغرب. فلما رأى طيران الشهيد في زمان قليل على معارج الكمال في العلوم كلّها العقلية والنقلية، وعلم أنه قد حاز من العلوم الأدبية واليقينية بأوفر نصيب، وضرب في سائر العلوم بقدحي المعلّى والرقيب، رأى رجوع الناس إليه كلّها في التدريس والاستفتاء في الشام وغيرها، رأى ملوك زمانه قد أقبلت عليه، وجميع الأحكام الشرعية رُدت إليه، وهو بين العام والخاص(2)على الطريقة المحمودة، وقد طلع من أفق العالم كواكب ذكره المسعودة. وركب متن الشريعة الغراء، ولزم المحجة البيضاء(3). تحرك عرقُ الحسد والعصبية في نفسه الخبيثة، فسعى بالفساد، وبالغ في التشنيع بين العباد على الشريف الشهيد شمس الدين محمد بن مكي.
وقد دفع أموالاً كثيرة، وبَذَل أجناساً غزيرة لتعلو كلمته(4)،(...)  فلم يحصل على طائل، ولم يرجع إليه من الشام شخص يُعتبر (...) فاشتد لذلك غضبه، وغلظ حسده ، فاتهمه حينئذ بالرفض، (...) و كتب إلى الشهيد هذا الشعر رداً على الشيعة في صحة المتعة:
قالــوا الـروافــض قــولاً أتــى      بخــلاف ديــــن محــــمــــــــــــد
نكحــوا النساء تمتــعاً فولــدن      من تلك النساء فأين طيب المولدي
فأجابه الشهيد:
إن التمتـــع سنـــة مفـــروضة      ورد الكتـاب بها وسنـة أحمــــــــد
وروى الــــــرواة بــــأن ذلك      قد جرى من غير شك في زمان محمد
(....)(5).
وشنع عليه علماء السنة وكذلك عند الملك بيدمر. وأظهر ذلك في المجالس والمجامع المعتبرة في الشام وصيدا وحوران وبيروت وطرابلس وغير الديار الشامية(6). وشدد في ذلك، حتى أنه قد استعان بكبار الشام، فضيقوا عليه أنه لا يخرج من الشام(1). وحبس في القلعة الشامية خوفاً منه(2)، بأن يخرج من أيديهم. ويبطل أقاويلهم الباطلة، وخيالاتهم الفاسدة عند جميع الخلق في الأقطار الشامية.
ولما أدخلوه القلعة اختصّ مجلسه بعلماء الشام ومعتبريها، وصاروا يترددون إليه في كل يوم، وكانوا يناظرونه  (أي يجادلونه) في كل علم في المعقول والمنقول، على جميع اختلاف العلوم، فيوضح ما يقولون، ويكشف لهم عما يسرّون ويكتمون ، ويصحح ما يفسدون(...).
وبقي سنة كاملة في القلعة (...) ، ولما انقضت السنة عليه وهو في القلعة، ورؤوا الناس منه ما قد رؤوا، من الصبر والآداب، وحسن العشرة والأجوبة (...) فأُخبِرَ بيدمر ، وقد كان الذي أخبره من معتمدي أهل الشام(3)(...) .
قال، فلما بلغ برقوق كلام الشريف شمس الدين محمد بن مكي تدبر حسن كلامه، وعلم صدق مقاله، أمر بأن يحضر جميع علماء الشام، ومن كان من أهل الحل والعقد ، ويحضر الشيخ شمس الدين محمد بن مكي، ثم يناظروه ويناظرهم بما اقتضته الشريعة المطهرة (...) وجرت بينهم ثلاثة أيام المناظرة(...) ظهرت له الغلبة عليهم، واتضح أن الحق معه لديهم(4). فعلم بذلك العادل برقوق الملك، فعظم لديه، وتوجه بكل وجه إليه،  وكتب له زيادة على ما مر، بعد تحيته له وكلمات مفعمة فمنها هذه:
"إلى المولى الفاضل العارف، الغوث البدل المكاشف، في المشارق والمغارب، إسوة الفضلاء المحققين وقدوة العلماء المتبحرين، شمس الملة والحق والدين محمد بن مكي. فإنه يختار ما يشاء، ويسكن حيثما شاء في الديار الشامية (...) فأنت تاج الشريعة، ومنهاج وسراج الحقيقة، أحق أن تتبع، وكلامك أصح بأن يُسمع". وخرج من القلعة مكرماً معظماً (..) "(5).
إلى ذلك يشير صاحب تاريخ بيروت صالح بن يحي (ت840هـ/1436م) في سياق أحداث العالم 784هـ بقوله: "... لما تحركت الشيعة ببيروت ، وأظهروا القيام بالسنة ومعهم مرسوم سلطاني. وكانوا في الباطن قائمين بمذهب أهل الشيعة وجرى لذلك حركة رديئة ، فاغتنم بيدمر الفرصة وطلب الوالد وأهانه..."(1). ونعتقد بأن هذا التحرك كان يفعل المرسوم السلطاني الي رفعه برقوق للشهيد الأول وأطلق فيه يده في بلاد الشام ، مما أدى أيضاً وفي نفس الفترة القضاء على حركة اليالوشي بقتله...
ـ فتنة اليالوشي ومعركة الشهداء : (السياسة الاجتماعية على المستوى الخاص/الداخل العاملي)(2).
في إطـار المشـروع النهضـوي / إصلاحي (الفكـري والاجتماعـي والسـياسي والاقتصادي...) للشهيد الأول ، نقف عند محطة هامة في تاريخه . وتصديه لها بكل ما أوتي من قوة . حتى غدت المعبر الحقيقي والذي يرسم الصورة الواضحة لهذا المشروع الذي نستعرض فيه للموقف العملي - الفكري ثم العسكري الحاسم ثم الاجتماعي(3)- للشهيد في هذا المجال ، بعد أن استعرضنا للموقف الفقهي / النظري . باعتبار أن الحرب ظاهرة سياسية ، والسياسة أبرز المظاهر الاجتماعية. وهي لا تحدث للاشيء . بل بغية هدف سياسي/ اجتماعي معين . فهي عمل عنفي ، يهدف إلى إجبار الخصم أو العدو على النزول عند رغبة الغالب أو على التصرف بعكس إرادته وطموحه . ولكن الحرب أو القتال المتجسد بالمعركة له أبعاده الزمنية والمكانية (...متى وأين / وقت وزمان) . ولا بد لهذا من أن يقترن بحسابات سياسية لتقارن بين الكلفة والربح ... والهدف السياسي الاجتماعي الأعلى أو البعيد ، وانعكاساته على ساحة الاجتماع السياسي من حيث خدمة الهدف أو الأهداف المتوخاة، ومن هنا تأخذ صفة العقلانية والذكاء حيزها التام(4)، ولمحركها صفة القائد بامتياز...
1- المناخ السياسي والاجتماعي العام لفتنة اليالوشي :
بشكل عام اتصف العهد المملوكي بكثرة الانقلابات والمؤامرات فيما بين أمرائه... مهدت للظاهر برقوق أن يحسم الأمر لصالح المماليك الجراكسة ضد المماليك الأتراك... لكن الفترة الأولى من حكم برقوق شهدت نزاعاً متواصلاً بينه وبين الأمراء في بلاد الشام(5).
إضافة إلى الاضطراب الداخلي عاد للمماليك هاجس الخطر الخارجي ، الآتي من جهة الجبهة المغولية السابقة والتي حسم أمرها بعد معركة عين جالوت . تمثلت هذه المرة بتيمورلنك الذي بلغت سيطرته العراق ، وبدأت بوادر استعداداته للتوجه نحو بلاد الشام .. بعد أن تحالف معه صديق الشهيد علي بن المؤيد أو نزوله تحت طاعته(1)...
أما في الجانب الفكري والثقافي ، فقد شهد القرن الثامن الهجري ازدهار الحركات الصوفية(2)، التي مال إلى بعضها الأمراء(3)، لتؤمن في ذلك المجتمع شكلاً ما من الحرية الدينية والعقلية ، الذي يقوم في حد ذاته على التسامح في العقيدة والتساهل في الواجبات الدينية. وكان إلى ذلك رجال فكر جعلوا يتناقشون في مسائل الإسلام(4).
 
2- فتنة اليالوشي :
تأسيساً على ما تقدم فإن حركة الشهيد الأول التي يبدو أنها ارتكزت في تحركها على تلك الظروف الداخلية والخارجية (...الزمان ...والمكان) ، فوسع محمد بن مكي في مجال دائرة مشروعه العتيد وحركته البكر ... وفي غمرة تلك الأحداث والاضطرابات ، وتلك الظروف مجتمعة. ظهر في جبل عامل (في نفس الزمان والمكان) شخص اسمه محمد اليالوشي(5). كان من تلامذة الشهيد البارزين على ما يبدو ، فارتد على المذهب الإمامي ، داعياً إلى مذهب جديد ليس بعيداً عن الصوفية"(6). قائم على السحر والشعوذة ، مدعياً النبوة(7).
كل ذلك كان طبعاً في مواجهة أو في وجه ، لا بل شكل عقبة كأداء في طريق مشروع الشهيد الأول وتوسعه ، وقد جمع اليالوشي حوله أنصاراً كثراً . وقلّب قرى بكاملها في جبل عامل(8)، اشتملت على جزء كبير من الساحل وتحديداً منطقة النبطية ، والتي كانت تعرف بحسب التقسيم الإداري المملوكي لبلاد الشام (بالمملكة الشقيقة)(1). ويبدو أن النبطية الفوقا كانت مركزاً مهماً لليالوشي (نشير إلى أن النبطية / السفلى. مركز القضاء والمحافظة اليوم . هي حديثة العهد إذا ما قيست بالنبطية / العليا من الناحية التاريخية)(2).
اتخذ اليالوشي لنفسه مقراً رئيسياً على شكل حصن أو قلعة حصينة على تلة ما بين بلدتي الزرارية وبريقع . لا زال يعرف إلى اليوم ببرج يالوش(3)، وهو اليوم شبه قلعة مدروسة. بقربه عين تسمى كذلك بعين يالوش ، وأن تقسيماته الهندسية تدل على ازدهار ما من ناحية ، ومن ناحية ثانية على سلطة صاحبها وتنفذه، مما اضطر الشهيد الأول إلى محاربته والقضاء عليه ...
تفيد مخطوطة مختصر نسيم السحر بأن الشهيد تعامل مع ظاهرو اليالوشي بمنتهى الهدوء والإصرار على إنهائها . فقد حاول مراراً ثني اليالوشي عن مواقفه بالإقناع وبالحوار سلماً عبر إرساله موفدين منه تمثلوا بكبار العلماء "...ولا تكن من الجاهلين ، ولا تشغل الناس عن الدين بما لا يجوز في شريعة سيد المرسلين ، فلم يرتدع..."(4).
 
3- معركة الشهداء :
خلاف ما كنا نعتقده ، وما كان معروفاً عن معركة الشهداء ، فإن مخطوطة نسيم السحر أوضحت الأمر ففصلت بين هذه المعركة التي لا زال صداها في ذاكرة أهل المنطقة إلى اليوم . وبين نهاية اليالوشي ومقتله(5)...
يتابع كاتب نسيم السحر روايته حول ثني الشهيد لليالوشي فيقول : "ثم أرسل إليه ولده الشيخ الصالح النجيب الأصيل الشيخ ضياء الدين [علي]... وأرسل معه أربعين عالماً من تلامذته الأخيار، ومعهم جماعة من أولي الأبصار . فلما ساروا إليه لينصحوه ، وبالموعظة الحسنة لعلهم ينفعوه ، ومن جهله يردوه ، علم بذلك فتلقاهم للقتال في وادي زبدين(6)، وهي قرية من قرى الشقيف ... ومعه جماعة كثيرة(7)، وشرع يقاتلهم ويتهددهم . فقالوا له: سبحان الله ، نحن ما أتيناك للقتال ، ولا للتشنيع في الأفعال ، فقال : إني أريد أن أرميكم بالفظيع ثم غدرهم، ويسوء صنيعه قد قتلهم ، وقبورهم إلى الآن مشهورة ، يقال لها قبور الشهداء(1)... إلاّّ خمسة ، منهم إبن الشيخ شمس الدين محمد بن مكي ضياء الدين علي المذكور، فإنه قد تركهم . ثم أنه قال للشيخ ضياء الدين: ارجع إلى أبيك الشيخ الفاضل المجيد ، وقل له أن يتركني ، وفي أفعالي لا يتعارضني"(2).
 
4- قتل الشهيد لليالوشي واستعادته زمام المبادرة ..
ويتابع كاتب نسيم السحر روايته بالقول :
"فلما صدر من المرتد ما ذكرناه ، رجع ولد الشيخ شمس الدين محمد بن مكي إلى بلده جزين ، فأخبر أباه بما جرى ، وأخبره بما قال . ثم أخبر أباه أيضاً بأن جميع قرى البلاد من السواحل كلها وما فوقها (قرى متعددة من صيدا إلى صور) قد مالت إليه ، وتابعوه على فعله القبيح، ولم يبق على طريق الصواب إلاّ القليل من القرى والأصحاب .
فتكدر [الشهيد] لذلك وتأمل ، وقال : لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ، إن هذا الضال قد ارتد عن شريعة سيد المرسلين ، فزجره وردعه عن أفعاله القبيحة ، وحركاته الشنيعة ، بالقتال لعله يستلزم أن يقتل من لا يستحق القتل من الجانبين ، وإنه لا ينبغي القتال بين المسلمين ، فكيف مع الأصحاب والمحبين ، وأكثر القوم أقارب ، وكلهم في الدين القويم. فإنَّا نتأمل في أمره إنشاء الله تعالى بما يليق ، وأن الله بنا لرؤوف شفيق"(3).
 
- الشهيد يستنجد ببيدمر ويفتي بقتل اليالوشي :
ثم يتابع كاتب نسيم السحر روايته بالقول : "فحينئذٍ كتب الشيخ الشريف محمد بن مكي إلى الملك بيدمر :
بعد التحية وشرح القضية ، أن رجلاً من السواحل قد ارتد عن مذهب الإسلام . وأنه قد ادعى النبوة بعد نبينا محمد سيد الأنام . وفي الصحيح أنه من ادعى النبوة بعد سيد المرسلين ، يقتل، باتفاق المسلمين ، ولقوله عليه السلام : لا نبي بعدي . ولقوله تعالى ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾ . وأنه قد أضل كثيراً من المسلمين . فيجب على الرؤساء من الملّة الحنيفة المحمدية ، المساعدة والمبادرة على قمع من خالف الشريعة المطهرة بارتداد . وإقامة الحد عليه إن ظهر منه فساداً وعناد . وأن الله قد منَّ عليك بالرياسة الدنيوية ، وأنه جل شأنه قد منَّ وأنعم عليَّ هذا المن بمعرفة الأحكام الشرعية التي جاء بها نبينا محمد سيد المرسلين ، صلوات عليه وعلى أصحابه أجمعين ، فيجب علينا العمل بمقتضى أوامره ، ونواهيه ، وأنه يجب عليكم مساعدة الشريعة الغراء لزوم المحجة البيضاء ، لدفع هذا الضال ، فالمسؤول والمأمول من الخليفة القاهر الباهر ، والملك الناصر القادر ، الرافع لأعلام الرايات الدينية ، والقامع لمعاند الشريعة النبوية ، خلد الله ملكه ، وجعل الدنيا بأسرها ملكه ، بأن يقابلنا وأن يساعدنا ويؤيدنا وينصرنا ، بجهوده المشكورة ، وعساكره المنصورة ، لردع هذا الضال المضل عن الشرع الشريف ، والمرتد عن الدين المحمدي الحنيف"(1).
"فركب بيدمر بجنوده وعساكره سريعاً ، وأرسل إلى الشيخ شمس الدين محمد بن مكي وأخبره بسيره بجنوده وعساكره ، وكان بيدمر في القدس الشريف ، فتلقاه الشيخ شمس الدين محمد بن مكي ، وجميع أهل جزين ، وجميع أهل قرى جزين والريحان ومشغرة ، وكل النواحي الجبلية(2)، إلى وادي الزرارية ، وقال : ههنا النزول لفصل هذه القضية ، فلما وصلت واستقرت العساكر والجنود في المكان المذكور ، أرسل الشيخ شمس الدين محمد بن مكي [ إنذاره الأخير ] إلى الرجل المرتد البالوشي :
إعلم أنه لا ينبغي منك أن يكون ما قد كان ، لكن ما قدر الله أن يكون وسوف يكون . وأن لنا عليك حقوقاً فلم تنكرها ، وأنك لتعلم أن الله قد منحنا علوماً لا تعلمها . من هذه العلوم إن في علم السيما ، والشعبذة ، وعلم السحر وغيرها ، وأني لأسترها وأكتمها خوفاً من الحي القيوم ، وتصديقاً لنبيه محمد مخزن أسرار العلوم . وأنت بحقير منها ، قد ضللت عن الطريق ، وإنك قد خالفت الطريقة المصطفوية ، وخالفت نصيحة كل صاحب وصديق(3)، وملت عن الشريعة المطهرة المحمدية . واعلم بأن هذه الجنود والعسكر قد كانت أرادت السير إليك ، والنزول بخيلها ورجالها عليك ، لسفك دماء ما قد جمعته من الرجال أو الساحل لديك(4). وهدم الحصون التي قد شيدتها وبنيتها ، جزاء لما قد فعلته من سفك دماء المسلمين(5). ومخالفه شريعة سيد المرسلين . ولكن رديناها ، وعنك قد صديناها ومنعناها، إلى بعد الاجتماع معك منفرداً . فإني بنفسي أريد الوصول إليك ، ومعي رجل لا غير . وأنت والقوم الذين لديك ، لا تخافوا من أن يقع مني بكم ضير ...
فلما وصل مكتوب الشيخ إليه ، أبعد القوم ، وبقي منفرداً في البرج ذلك اليوم ، ثم سار إليه الشريف الشيخ شمس الدين محمد بن مكي ، ومعه ولده ضياء الدين علي ، فلما دخلا عليه في حصنه وقلعته ، فتلقاهما بقلب شديد ، مصراً على ما هو عليه من الحوبة ، فعلما ارتداده ، وأنه لا تقبل منه التوبة ... فلما دخل عليه شمس الدين محمد بن مكي ، وولده الشيخ ضياء الدين علي ، قضي أمره والله بالغ أمره"(1).
 
5- الشهيد يتابع مشروعه بهداية أهل الساحل بواسطة تلاميذه :
ويتابع كاتب نسيم السحر روايته بالقول : إن الشيخ بن مكي " قد أرسل ولده [علي] إلى الجماعة التي كانت مجتمعة لديه [اليالوشي] ، وإلى بقية أهل القرى ليسألهم : هل كنتم صدَّقتم دعواه... قالوا : حاشا الله ، بل كان من الكاذبين ، وكنا نعتقد أنه قد ارتد عن الدين. لكنه لما بالغ في بذل المأكول والملبوس ، والناس عبيد ما يأكلون ويلبسون(2)... فحينئذٍ قد ردت الناس إلى مأمنهم بعد خوفهم من برقوق وعساكره(3). وأمر الشيخ ضياء الدين [علي]، الناس بأن يُرَدوا إلى منازلهم . بعدما نصحهم ووعظهم . وصاروا مطمئنين ... وأقام الشيخ ضياء الدين علي مدة في السواحل ، لإرشادهم ووعظهم ودلالتهم على الدين ... والشيخ الشريف شمس الدين محمد بن مكي في بلدة جزين ، والناس مقبلة عليه للعلم والدرس ، في كل وقت وحين ، حامدين شاكرين ، برهة من الزمان ، مستقرين آمنين مطمئنين"(4).
 
ردة فعل ضد الشهيد يقودها مرتد آخر :
ما إن تخلص الشهيد من فتنة اليالوشي ؛ التي يبدو أنها تفاقمت أثناء وبعد خروج الشهيد من إقامته الجبرية ( سجن السنة ) بين العام ( 783و784هـ) ، ونرجح أنها وقعت بعد جلوس برقوق على تخت السلطة في 19رمضان عام 784هـ ، وإطلاقه ليد " بيدمر " و " الشهيد " على السواء في الشام . لنقول أن أحداث هذه الفتنة دارت وتم القضاء عليها بقتل زعيمها في العام 785هـ ، كوننا نلحظ حراكا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا واسعا للشهيد في تلك الحقبة ، ومنها تفرغه للتدريس والتأليف وتبادل الزيارات والحج ...
   وبينما هو على ذلك الحال " إذ خرج رجل آخر اسمه : : يوسف بن يحيى(1)، وارتد عن مذهب الإمامية أيضاً، وصار عدو الإمامية. وشرع في التشنيع عليهم عموماً، وعلى الشيخ الشريف شمس الدين محمد بن مكي خصوصاً(2). وأظهر لأهل السنة بعض مصنفاته، مما يظهر منها تشيعه، كرسالة المقدسية(3)، ورسالة الدرة المضيئة في الأحاديث المروية(4)، ورسالة التكليفية(5)، وكتاب جامع البين(6)، وغاية العالمين(7)، وغير ذلك ... وكتب أخر أشهر. لكنها قد رميت(8) بسبب المرتد المذكور، فإنه الذي سعى إطفاء فضله، وذهاب كتبه والله " .
وكتب محضراً شنَّع فيه عليه بأنه شيعي، وعمدة الشيعة ومرجعها، والمروج مذهبها، وهذه الكتب بخطه وتشهد بذلك(9). وكتب معه ووافقه على الارتداد عن الدين ومذهب الإمامية، والخروج عن طريق الحق سبعون رجلاً من الجبل(1)، ممن كان يعتمد مذهب الإمامية ويعتقده. وألف رجل من السواحل، ممن كان ظاهرهم التسنن(2). بغضاً وحسداً وعناداً للشهيد شمس الدين محمد بن مكي. حيث أنه في كل وقت آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، وأنه مرجع للخاصة والعامة(3). وكتبوا بخطوطهم، وعرضوا ما كتبوه في ذلك على قاضي الشام بن جماعة(4)، وقاضي صيدا، وقاضي بعلبك، وقاضي بيروت، وقاضي القدس والخليل(5)
وسعوا بأن يحضر في القدس والخليل.... لبعده عن الشام وعن وطنه ، خوفاُ من أن يظهر له ناصر، أو أحد يشفع من عظماء الشام وكبارها لانضمامهم كلهم معه(6)، إلا ابن جماعة فإنه دائماً عليه حقداً وبغضاً به. ولم يتم لهم المراد، والله ولي العباد، وأن الله لا يحب الفساد ، فأحضر فيه الشيخ شمس الدين محمد بن مكي، وقرئ عليه المحضر الذي كانوا كتبوه. فلما قرئ عليه بمحضر جمع عظيم في القدس(1). فأنكروا عليه أشد الإنكار، فقيل له: كيف يكون منك هذه الأشياء التي قد سمعتها، والكتب التي قد صنفتها، فأنكر ذلك، رعاية للتقية الواجبة(2)، ولزيادتهم في البهتان. فقيل: ألا ترى إلى هذه الشهود ؟ فقال: سبحان الله ما شاء الله كان،} .. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...{، } فالله يجمع بيننا وبينكم...{، }... وله الحكم وإليه ترجعون(3){.
ولما صار في هذا المحضر ما صار، من المناظرة والمعارضة ... وهو بإذن الله ومن جوده وكرمه، مسلط العَلَمَ الشريف [ بن مكي ] عليهم. ومع كثرتهم وابن جماعة عليه، وحسدهم له، فله الخطر والعظمة لديهم(4).
ولما علم بذلك برقوق، بعد إحضارهم لديه ومناظرتهم له، وأن له عليهم الغلبة والقوة الباهرة، في علم المعقول وعلوم الآخرة. فغضب على من سعى في ذلك، وأمر برجوعه إلى الشام وإلى حيث شاء، ويكون مقدماً على الخاص والعام(5). فرجع إلى الشام لأمور اقتضت ذلك(6). وأضمروا له السوء القوم الآم اللئام. واضطرمت نار الحسد في جلودهم، وأغرقت في بحار الظلمات قلوبهم"(7).
 
الشهيد الأول ودوره ومشروعه ، وقضاة السلطة ومقتله :
     بداية نود الإشارة إلى بعض مؤرخي تلك الحقبة من " طاهر بن حبيب " إلى " ابن قاضي شهبة " إلى " ابن حجر العسقلاني " إلى " ابن العماد الحنبلي "(8)... لنستنتج الحقد المكنون تجاه هذه الشخصية الفذة ، ودوره ومشروعه ، وهو امتداد لمواقف فقهاء السلطة وأربابها ، الذين كادوا له مراراً لما بيناه أعلاه ولم يظفروا به . أولا لقوة شخصيته ، التي فرضها على الساحة الثقافية والاجتماعية والسياسية ، وعلو ثقافته وسعة معرفته التي على أساسها بنى شبكة من العلاقات مع جمهور واسع ، ثم مع بعض أرباب السلطة وأركانها وعلى رأسها السلطان " برقوق " الذي أمده بمراسيم سلطانية أطلقت يده ومشروعه من ناحية ، والتي أدت إلى اشتداد حقد الحاسدين والمارقين من ناحية أخرى ، وعلى رأسهم قاضي القضاة ابن جماعة الشافعي ...
   إلى ذلك تقدم لنا مخطوطة مختصر نسيم السحر رواية : أن الشهيد لم يقتل بإيعاز من السلطة كما هو كذلك شائع ومعروف، ولكن بوشاية تبعها مكيدة، لم تكن الأولى ولكنها كانت الأخيرة، بعد أن أحكم ابن جماعة وأعوانه هذه المرة فصول تدابيرها وتنفيذها بحسب ما ورد في المخطوطة. وأن الأسباب هي كما ذكرنا تعاظم الحسد والمغلف بالمذهبة بسفسفها(1). وأني أرى أن هذه هي العلة الأساسية في انحطاط وتراجع الأمة...واليوم ليس ببعيد عن ذلك ..
وقد جاءت الرواية على الشكل التالي : " ولما رُد إلى الشام، وأقام بها لمدة من الزمان. والناس مقبلة عليه للاستفادة كما كان، بين فايدة [كذا] يبديها، أو ضالة يهديها . نهاره في التدريس والإفادة، وليله في التفكر في جنب الله سبحانه وتعالى والعبادة(2). إلى [ أن ] كان يوم جمعة والناس في كثرة تسعى إلى المسجد الجامع، مسجد يزيد، والناس يأتونه عن كل جانب قريب وبعيد. وإذا قد دخله الشيخ الشريف شمس الدين محمد بن مكي للصلاة. وكان حينئذ ممن يترقب وروده إليهم ، وقدومه عليهم ، ودخوله إلى المسجد المذكور، من القوم الذين ضلوا عن سواء الطريق. وقد كان قد كتب أسماء العشرة المبشرة ونوى أنه إذا دخل وضعها في حذائه ، فإذا خرج من المسجد يرميه بالزور والبهتان.
ففعل ذلك ، فلما خرج الشيخ الشريف شمس الدين محمد بن مكي، أحضروا له الحذاء، فسقطت منه الأوراق، وهي عشرون ورقة ، في كل حذاء عشرة. فلما سقطت منه الأوراق المعهودة، فرأوا ما فيها من الأسماء العشرة المبشرة(1)، فغضبوا لذلك، ونادوا بأعلى الأصوات : ألا ترون إلى الشيخ شمس الدين محمد بن مكي ، الذي يعظمه برقوق وغيره(2)، وهذا فعله. ألا ترون علامة رفضه[!؟] فبادرت الناس ، واجتمع خلق كثير، وهم ينظرون سوء فعلهم، ويسمعون أكاذيبهم، والمنادي ينادي بينهم في أسواق الشام : من كان مسلماً فليساعد على إحراق (شمس الدين بن مكي). فاجتمع من الخلق ما لا يحصى ، وتعصبوا على الباطل. والمحب والصديق صار خائفاً ، وهو ساكت(3).
ولما اجتمع رأيهم على قتله، من غير مراجعة أرباب الدول كبيدمر وغيره، فقال أهل الشام، نحن نجتمع على قتله قبل أن يعلم بيدمر، فيأمر بإطلاقه كما سبق. وأما إذا فعلنا به المراد فلا يخالف ما اجتمعنا عليه(4). بعد ذلك اختلفوا في صيغة قتله. [مقابلها على الهامش الأيمن كتب]: (ولكن اختلفوا في كيفية قتله كيف يقتلوه) فمنهم من قال، نمثّل به. ومنهم من قال، نحرقه. ومنهم من قال، نضربه ضربة واحدة بالسيف.
فقال قائل : نحضر جملين، ثم نربط يديه في أيديهما ورجليه في رجليهما، ثم نصيح بهما، فيقوما بسرعة، فيقطع قطعاً. فلما أوثقوه وربطوا يديه ورجليه كما اختاروا، ثم صاحوا بهما صيحة عظيمة، فلم يقوما، ولم يزولا عن مكانهما. فتعجب الحاضرون، وتركوا قتله بهذه الصيغة(5).
 ونادوا ثانياً، من كان مسلماً فليساعد على إحراق ابن مكي. فحينئذٍ قد اجتمع حطب كثير بالرحبة عند القلعة، وجاءوا بخشبة غليظة طولها اثني عشر شبراً ، فأدخلوه فيها، وألقوه في وسط الحطب، ثم أضرموا النار في الحطب. فاشتعلت واضطرمت النار، وهاجت والتهبت حتى لهيبها علا على حائط القلعة. والناس ينظرون وينادون : اللهم احرق الخشبة ، اللهم احرق الخشبة. [مقابلها على الهامش الأيسر كتب]: (حتى إلى الآن في الشام، في بعض الطرق، في بعض الأسواق، إذا رءوا شيعياً قالوا في وجهه : اللهم اللهم احرق الخشبة ، اللهم احرق الخشبة) فإذا أخمدت النار سريعاً بقدرة الله ، مع كثرة الحطب. ولم تحترق الخشبة، ولا أضرمت بها النار. وذلك من فضل الله العزيز الجبار، الكريم الرحيم الغفار. الله العزيز الرحيم الغفار. وخرج من الخشبة، يخاطب الجماعة التي لا تحصى، بالتوبيخ على سوء فعلهم من غير جرم يستوجب ذلك. والناس قد تعجبت لذلك. وقالوا، أن هذا وليٌ ذو جلال، فلا تضيره النار، ولا تقوم به الجمال. فحينئذ طلب دواة وقرطاساً، فجاءوا بهما إليه، فكتب على الورقة:
                    ألك رضا بأن عظـمي تخـلّه
                أم لك رضا بأن الأرض دمي تقلّه
ثم رمى بها في الهواء إلى جهة القبلة. فرجعت إليه والناس قد رأت رجوعها إليه وما كتب فيها ، فإذا في قفاها بخط جليّ " فلي الأمر كله ". وفي رواية عمن كان حاضراً : أنه قد كتب في الورقة هكذا: "ربي ربي إني مغلوب فانتصر"(1). ثم رمى بها في الهواء نحو القبلة ، فرجعت إليه: " يا بن مكي، إن كنت عبدي فاصطبر". ويحتمل أنه كتب على ورقتين، فتصح الروايتين ـ والناس حال الكتابة يرونه ، ولما رماها نحو القبلة أيضاً رأوه ، وحال رجوعها إليه رأوها . وهذه كرامة ومنقبة من مناقبه وكرامة له قدس سره(2).
فسكت حينئذٍ وقال:} إنا لله وإنا إليه راجعو{(3)  { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون{(4). وكل ما فعلوا بالشيخ الشريف الشهيد، والناس مع كثرتها ترى ما فعل به، وما ظهر منه من الكرامات، فلا يرجعون ولا يندمون لما رءوا ما يدل على فضله وجلالة قدره، وعظم شأنه عند الله سبحانه وتعالى . بل قال ابن جماعة ومن تابعه(5): ابن مكي لا بد إن خرج من أيدينا ولم نقتله فلا يبقى منا أحد إلاّ وقتله ، وكل الناس تميل إليه زيادة عما مضى ، لما رءوا منه ما رءوا من عدم حرقه بالخشبة ، وعدم قيام الجملين ، وما رجع إليه في الورقة على اختلاف الروايتين . فحينئذٍ بعد كتابته للورقة ، وسكوته وخوفهم بأن ينعكس عليهم السوء. اتفق ابن جماعة، وقاضي المالكية، على قتله. فضرب بالسيف ، ثم رفع على خشبة قدر ربع ساعة(1). برحبة القلعة ، ثم نودي على إحراقه بعدما أنزلوه عن الخشبة. فاجتمع حطب كثير، وأضرموه بالنار، وشبهوا للناس أنهم أحرقوه بالنار، إطفاءً للكرامة التي صارت له أولاً. ولما أضرموا له ناراً عظيمة قد كانوا وضعوها في مكان ، ودفنوه في عصرية يوم الخميس تاسع جماد الأولى سنة 786(2). واشتبه على قوم كثيرة صفة قتله ، لأن المحب والصادق لم يرض فلم يحضر. وأولئك خبرهم كاذب، بل إنهم قتلوه ولم يحرقوه ، بل شبهوا حرقه ، فتوهم الأكثر فأخبر كل بما اعتقده.
ولما فعلوا به ما ذكر، لم يكن بأمر برقوق، ولا أخبر بقتله(3)قبل. لكن قد نقل الثقات من أهل القدس والخليل، أن اليوم الذي قتل فيه الشهيد شمس الدين محمد بن مكي، بينما بيدمر في جلسة بالقدس الشريف، وعنده جمع غفير في ديوانه، قرب ألف رجل ونيف ، إذ قد سقط بين يديه ورقة بسرعة ، ولها دوي حال سقوطها. فتعجب الجماعة، وبادروا إلى النظر فيها، فإذا فيها : وآهاً ثم وآهاً لقوم أمروا أو باشروا أو استحسنوا سفك دم شمس الدين، وويلاً ثم ويلاً على فرقة ارتكبت قتل محمد بن مكي البرّ الأمين. وبعداً وسحقاً لطائفة هذه طريقتهم، وجرى على ذلك سمتهم. فتعجب القوم من ذلك. فركب سريعاً مسافراً إلى الشام قائلاً : لعل بن مكي وما قد وقع به ظن أنه بأمري أو بعملي . فلما دخل الشام ، فاتفق أنه قد مر على المكان الذي قتل فيه الشيخ شمس الدين محمد بن مكي محتسباً، وقد عثر به جواده ، وقد سقط على وجهه مغشياً عليه. ثم أفاق فتشاءم وتطير من ذلك الحصان. فقيل له، أن الفاضل البدل المولى الشريف شمس الدين محمد بن مكي قد قتل به، وفعل به ما فُعل في هذا المكان. فقتل من قد قتل ، وغضب على من قد غضب عليه. وقد هرب من قد هرب منه، وصاروا في أقبح الحالات، فكما تدين تدان. فسبحان الملك الديان . فلحوم العلماء مسمومة، وعواقب الظلم وخيمة مذمومة. وبقيت الندامة والحسرة على أهل الشام ، وعلى الذين رضوا وسعوا من أولئك القوم اللئام . حتى قد وقع عليهم الخسران والمضرات ، وأنواع المشقات، ما لو ذكرتها لاجتمع كراريس ولم يكن شرحها في القراطيس(1).
ثم أمر بيدمر بأن يبنى عليه قبة عظيمة ، ويكون مزاراً مشهوراً وبالخير يكون دائماً مذكوراً، فبنى عليه قبة عظيمة(2). قد نقل عن الثقات أنه من مرّ في ذلك المكان، لم تقض له حاجة ذلك اليوم قط ، مجرَّب. والآن لا يعلم هذا المكان إلا الخواص من الشيعة أنه المكان الذي قتل فيه الشهيد. وأما السنة، وأكثر الناس يظنون أنه من شيوخ أهل السنة والجماعة. كمحمد بن يعقوب في بغداد ، لا يعلمه إلا ما قل من الشيعة. والسنة يعتقدون أنه من شيوخهم .
وما جرى عليه من الواشين والمرتدين، فله أسوة بما قبله من الأئمة المعصومين الأكرمين، وبالأنبياء والمرسلين. لأن مصائب الخلق على قدر منازلهم لديه ، وابتلاءهم عجب بالنسبة إلى مراتبهم وإقبالهم عليه. لأن الله العالم بمصالحهم في أولاهم وأخراهم والحمد لله وحده"(3).
على ضوء ما تقدم، تبدو المفارقة العجيبة التي توضحها هذه المخطوطة وتبرزها، من أن الشهيد لم يقتل من قبل أرباب السلطة بل فقهائها وقضاتها، وهذا مغاير لما هو معروف ومتواتر فيما كتب عن مسألة استشهاد الشهيد الأول على يد السلطة وبأمر من برقوق وبيدمر(4).
هذا وإن كانت السلطة ـ ودائماً بحسب المخطوطة ـ تبدو بعيدة عن المكيدة التي دبرت للتخلص من الشهيد، ولكن الروايات التاريخية تتقاطع مع سياقات المخطوطة عند المحرك الأساسي ضد الشهيد وهو قاضي القضاة ابن جماعة الشافعي، ومعه مجموعة من القضاة من مختلف المذاهب، وحشد من الوشاة والمرتدين(5).
 
 
محمد بن مكي : الفقيه القائد ..الحر ..
   يرى ابن مكي : أن طريق الأمر [ بالمعروف ] والنهي [عن المنكر ] بالتدرج(1). أما القضاء : هو وظيفة الإمام أو نائبه ، وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء(2)، ومن شروطها .. الحرية(3)..
    ورغم بعدنا عن عصر الشهيد ما يفوق الخمسة قرون ، فإننا نلاحظ أن شروط القيادة العصرية الفاعلة تتطابق مع روح القيادة عند الشهيد ، بداية من مرحلة الإعداد الذاتي باعتبار أن القادة لا يولدون بل يصنعون ، وأن خصائص القيادة ليست وحدها تصنع القادة العظام ؛ بل حسن التصرف....والقائد من يعمل على إنتاج قادة مساعدين ويحسن إعدادهم ، ويوكل إليهم بعض الأعمال والمهام ويفوضهم كوكلاء عنه أو نواب ، باعتبار أن أفضل القادة هم من لا يقومون بأنفسهم بكل الأعمال المطلوبة .
   وعليه فالقائد الفذ من يدرك دوره ، ويسلك الطريق الواضح إلى أهدافه النبيلة ، وفق مؤهلات عالية ( الجامع لشروط الإفتاء ) ، لا يكون وحيدا منعزلا ، بل قائد فريق عمل واسع ( وكلاء ) ؛ يسهر على سيرورته وتنميته وإعداده وفق خطط أو مناهج أو استراتيجيات ، إن كان في الإعداد العام أم في التطبيق العملي . ينفتح على الآخر ، القريب والبعيد ، مسلحاً بالتحفز الدائم القائم على الثقة العالية بالنفس الصابرة(4)...، النابعة من الإيمان بالله ورسالته .. ممتلكا لشروط الفقيه العادل التي مكنته من النظر أبعد فأبعد ، ليرى من خلال بصيرته المتوقدة ، آفاق المستقبل الذي يسعى إليه نهوضا ، يزرعه في الدنيا ليحصده في الآخرة ...
   كل هذه المقومات رأيناها عند الشهيد الأول ، إن كان في سيرته أم في أسفاره ، وكلاهما يقومان على : العلم ، المتوّج بالأخلاق ، المتملكة لعقيدة راسخة ، المؤدية إلى سلوك القائد الفذ على المستوى الفردي Micro أو الجَمَاعي Macro .. فهو القائل :
           اصبر على حلـو القضاء ومـِره    واعـلم بأن الله بالـغ أمـره 
           فالصدر من يلقى الخطوب بصدره     وبصـبره وبحمـده وبشــكره
           والحر سيف والدثــور لصـفوه     صِـداء وصيقله نوائب دهــره
           اصبر فـكم أهمّك عســره ليلا     فبشترك الصـــباحُ بيســره
           وإذا أُصبتَ بما أصبتَ فـلا تقل      أوذيت من زيد الزمــان وعمره
           وكـم بعد يـأسٍ أتى فرج الفتى      من ســرِّ غيب لا يمر بفـكره 
ومن قصيدة كتبها لأهل بيته وولده وهو [ في السجن ] في قلعة الشام يقول :
          سـلام عـلى ولـدي وأهـلي وأسرتي     سلام محب والفــــؤاد مشوق
          فأوصيكم بالصـبر والخير والتقــى        وحسـن الثناء في العالمين يشوق
          وبالإلف فيما بينكــم وبحفظكـــم       لأولادكم حفظاً عليـه يفـــوق
          فما الدهر إلا مثل يــوم وليـــلة        تزول سريعاً والجميل يـــروق
          وما العمر إلا مثل أحلام نــــائم         ومثـل خيـام الظل حين يـفوق
         تســـلوا بما قد حل بالرسـل قبلنا        ففيـه لــمن رام السـلّو طريق
          فكـم نالهـم همٌ وغمٌ وكربـــةٌ        وقتـل وسـجن وابتلاء ومضيـق
          ونسأل رب العرش مجمـع شــملنا       فرحمـاه فـينا عـالم ورفــيق
          ويحرسكم مـن كل عيـب  يشـينكم       وبـها عنكم حاســـم وفسـوق
         ويجعـل  جنّـات  النعيـم  مقــركم        ففـيها حيـاة المكرمين تـروق(1)



(1)كان الشهيد الثاني لشدة تعلقه بالشهيد الأول يعتقد أن خاتمة حياته ستكون في "المشاركة في نيل درجة السعادة ، بخاتمة الشهادة". راجع : حفيده في : الدر المنثور ، ج2 ، ص 184 . وبنفس المعنى روى الشيخ بهاء الدين العاملي عن والده الشيخ حسين بن عبد الصمد تلميذ الشهيد الثاني وملازمه ، والذي وجده ذات يوم مستغرقاً في التفكير والتأمل ، فسأله عن السبب فأجاله : "يا أخي ، أظن أني سأكون ثاني الشهيدين ، قال : أو ثاني شيخنا الشهيد في الشهادة ..." راجع :زين الدين جواد : الشهيد الثاني ، دار المرتضى ،بيروت 2000، ص112.
(2)الشهيد الثاني : منية المريد في أدب المفيد والمستفيد ، تحقيق الشيخ رضا المختاري ، ط2 ، مكتب الإعلام الإسلامي ، قسم2 ، 1414هـ، ص 179 .
(3) عن سيرة الشهيد الأول راجع : الشيخ رضا المختاري ، الشهيد الأول ، حياته وآثاره ... ودراستنا في مجلة العرفان ، المجلد 80، وتحقيقنا ودراستنا لمخطوط / نسيم السحر في حياة الشهيد الأول ، مجلة المنهاج ، العددين 51 و 52 .
(4)عن أهمية جزين كمركز علمي راجع " دراستنا في العرفان م80 ، وأطروحتنا للدكتوراة ص 100 وما بعدها ... خصوصاً شعر إبن الحسام العاملي في رثائه لابن العودي الذي لجأ إلى جزين بعد أن عانى ما عاناه في حلب ...
(5)شب السهيد الأول يتيماً ولم يتتلمذ على يد والده (الذي كان فقيهاً) كما هي العادة ، لكنه تتلمذ فيها على يد علماء كبار ... راجع : السيرة وخصوصاً دراستنا في العرافان م80 ، عدد 1 و 2 ص 61 .
(6)لم يرد أسماء فقهاء عامليين من لائحة أساتذة الشهيد إلاّ الجزينيين، لكن الشيخ أسد الدين الصائغ فهو من بلدة حنويه العاملية ...
(7)لاحظ في سيرة الشهيد حواره مع أستاذه فخر المحققين الذي قال فيه : " لقد استفدت من تلميذي محمد بن مكي أكثر مما استفاد مني". العرفان م.ن. ، ص 62 ، والمنهاج ، عدد52 ،ص116و117.
(1) دراستنا المخطوطة مختصر نسيم السحر ، المنهاج ، عدد52 ، ص117 وهو أول إتصال بينهما .
(2)م.س.ن. .
(3)راجع : محمد مهدي الآصفي : مقدمة الروضة البهية في شرع اللمعة الدمشقية ، ص 115 .
(4)عاصر الشهيد الأول الحقبة المملوكية من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ، هذه الحقبة التي يوردها الدارسون ضمن عصر الانحطاط (يبدأ بسقوط بغداد بيد المغول، وينتهي بالحملة الفرنسية على مصر (1258هـ/1798م) نظراً لما آلت إليه شؤون وشجون المجتمع والدولة على السواء ... راجع : سهيل سليمان وآخرون : الوافي في الأدب العربي ،ط2، دار الفكر اللبناني ،ج1 ، الصف الأول ثانوي ، بيروت 1195، ص 414 .العنوان :عصر الانحطاط .وقارن مع : جوزيف الهاشم وآخرون: المفيد في الأدب العربي ،ط7، المكتبة والمطبعة الافريقية ، ج2، السنة الثانوية الثانية ، بيروت 1979 ، ص268 .عنوان : عصر النهضة .
وإننا إذ نرى حالة السوء التي آلت إليه الحالة هذه ، إلاّ أننا لا نوافق الرأي القائل بتقسيم الحقبات الثاريخية إسقاطاً للحقبات التاريخية في اوروبا (عصر الظلام والانحطاط والنهضة) وهذا بحث آخر نعالجه إنشاء الله كموضوع بحث آخر حول رأينا بالموضوع راجع دراستنا : الزعامة السياسية في لبنان الجنوبي ، رسالة دبلوم الدراسات المعمقة في الجامعة اللبنانية 1987 .
(5)حول العمل مع السلطان ، أنظر رأي الإمام الرضا (ع) ، ورسالة الشريف المرتضي : مسألة في العمل مع السلطان ، ضمن رسائل الشريف المرتضى ، مؤسسة النور للمطبوعات ، د.ت ،د.م. بقي الشهيد يعمل ضمن هذه الضوابط ، فهمه كان الناس وجمهور الناس ، يفقههم على دين الله وشرعه ، وبهذا أصبح فقيها / قائدا جماهيريا حرا . وليس موظفا أو منصبا لدى السلطة ، وهذا ما أثار حفيظة فقهاء السلطة ومنهم أبن خلدون ( راجع دراستنا لمختصر نسيم السحر في مجلة المنهاج ، عدد51،ص197 ) . وعلى خطاه هذا العلامة الكركي أيضا في عمله مع السلطان كان همه الناس الذين قادهم إلى الهداية في الولاية لأهل البيت عليهم السلام ، وهو تجسيد لذلك المشروع الذي أطلقه الشهيد الأول ، وهذا الإمام الخميني بقيادته كفقيه قائد جماهيري يعيد لحركة الناس والجماهير دورها في الحياة بعد أن ألغتها ثنائية   ( الرأسمالية / الاشتراكية ) في القرن العشرين الماضي ...
(1)هذا في تاريخ المرحلة ، أما انحطاط الدولة الملوكية . راجع : كرافولسكي : العرب وإيران . ص 146 . في تعليقها على كلام للمقريزي في خططه عند ترجمته للملك الناصر محمد بن قلاوون ... ثم كلامها عن أسباب انحطاط الدولة المملوكية ، ص 125 .
(2)كرافولسكي: العرب وإيران ، ص 119 ، وطه الطراونة : مملكة صفد في عهد المماليك ، ص 42 .
(3)كرافولسكي   : م.ن. ص 107 ، نقلاً عن المقريزي في السلوك .
(4)يوسف طباجة : الشهيد الأول ومشروع القيادة ... العرفان ، م80 ، العدد 1 و 2 ص 50 .
(5) كان المذهب الشافعي هو الأكثر انتشاراً في بلاد الشام أيام المماليك ، ثم تحولت هذه الأكثرية إلى المذهب الحنفي زمن الدولة العثمانية ، لاحظ : طه الطراونة : مملكة صفد ، م.م. ص 252 . وكمال الصليبي : منطلق تاريخ لبنان ، ص 136 ، هامش رقم 8 .
(6) المقريزي : السلوك ... ج1 ، ص 161 ...
(7)م.س.ن.
(8)كرافولسكي : العرب وإيران . م.م.ص 127 ، ورضوان السيد : الفقه والفقهاء والدولة ، مجلة الاجتهاد ، عدد 3 ، ص 134.
(1)رضوان السيد : م.ن. ص 151 .
(2)وهذا ما يسجله المؤرخون للمماليك انجازهم ، ولبيبرس خصوصاً .
(3)كرافولسكي : م.ن. ص 120 . وللتفاصيل راجع : الطراونة : مملكة صفد ، م.ن. ص ص ( 43...68 ) .
(4)لاحظ كيف عزل الأتابكي أيبك – شارب الخمر علانية – الخليفة المتوكل على الله محمد في شهر ربيع الأول 779 هـ "وبالغ في سبه... ويوبخه بهذا الكلام الفاحش..." . ابن أياس : بدائع الزهور ، م5 ، ص 205 ، والمقريزي : السلوك ، م3 ، ص 209 . وكذلك لاحظ في رجب 785هـ المشادة بين الخليفة المتهم بالتآمر على السلطان برقوق ، كيف أن الأخير حنق على الخليفة ، واستل السيف ليضرب به عنق الخليفة ، وحيل بينه ... فسجنه وولى الخلافة لآخر . المقريزي : السلوك ، م3 ، ص 495 ، وإبن أياس : بدائع الزهور ، م.م.ص333.
وكذلك القضاء ، فكان يقع تحت نفوذ كبار الأمراء في الدولة ، لجهة التعيين والعزل والنقل وغيره .. فقد كان القضاة يسعون كثيراً للحصول على هذا المنصب ، ويبذلون المال ويسافرون إلى القاهرة في سبيل ذلك كالقاضي الشافعي الشيخ جمال الدين يوسف بن الباعوني، والقاضي إبن الفرعمي الذي ولي القضاء الشافعي في صفد مرتين عن طريق البذل ، وقد تولى بعض قضاة صفد وظائف أخرى إلى جانب منصب القضاء ، مثل: نظر الجيش وكتابة السر التي أضيفت للباعوني سنة 838 هـ 1434م. كما تولى القضاء من لا تتوفر فيهم الصفات المطلوبة في شخص القاضي ، العفة والنزاهة وغيرها ، مثل قاضي المالكية القبيباتي الذي اشتهر عنه قلة دينه وقلة عقله وجهله ورذالته ، وقاضي الحنابلة عام 786هـ 1384م . راجع : طه الطراونة : مملكة صفد ، م.ن. ص 254 و ص 312 نقلاً عن الصفدي في الوافي بالوفيات ، والضوء اللامع للسخاوي وابن قاضي شهبه في تاريخه .
(5)المقريزي : السلوك ، م.ن. ج1 ، ص 161 .
(6)محمد علي مكي : لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني ، ص 218 نقلاً عن العسقلاني ، الدرر الكامنة ، ط1 ، حيدر آباد الدكن ، 1350 هـ ، ج7 ، ص 66 .
(1)أطروحتنا للدكتوارة ، ص 90 .
(2)أطروحتنا للدكتوارة ، ص 100 .
(3)حول الإقطاع الغربي والإقطاع الإسلامي ، راجع : مقالتنا في جريدة السفير بعنوان : إشكالية تاريخية ، نشأة الإقطاع في لبنان، بتاريخ22/12/1995.
(4)Cl. Chaen : art. IKTA . Encyclopédie de l’Islame . pp. 1115 . 1118.
(5)عبد العزيز الدوري : نشأة الإقطاع في المجتمعات الإسلامية ، مجلة الاجتهاد ، العدد الأول ص 256 ، وقارن مع : المقريزي : المواعظ ، تحت عنوان: "ذكر القطائع والإقطاعات" ، ج2 ، ص 49 وص 57 ، تحت عنوان : "ديوان الخراج والأموال" .
(6)أطروحتنا للدكتوارة ، ص 93 .
(7)كرافولسكي :ا لعرب وإيران ، ص 139 ، "كانت قيم الإقطاعات تحسب بالدينار الجيشي الذي لم يكن عملة جارية في السوق، بل وسيلة حسابية لقياس الإقطاع".
(8)الفضل شلق : الخراج والإقطاع والدولة ، دراسة في الاقتصاد السياسي للدولة الإسلامية ، مجلة الاجتهاد ، العدد الأول ، ص 161 وما يليها.ولاحظ تعليق المقريزي في خططه ،ج2.ص219 " فكثر الدخيل في الأجناد بذلك ، واشترت السوقة والأراذل الإقطاعات ، ؛حتى صار في زمننا أجناد الحلقة أكثرهم أصحاب الحرف والصناعات ، وخربت منهم أراضي إقطاعاتهم " .
(1) كمال الصليبي : منطلق تاريخ لبنان ، ص129 . وطه الطراونه : مملكة صفد ، ص ص(227..257) . وكرافولسكي : إيران والعرب، ص127
(2)كرافولسكي :ا لعرب وإيران ، ص 129 .
(3)كمال الصليبي : منطلق تاريخ لبنان ، ص 131 .
(4)راجع الخريطة في الملاحق .
(5)الطراونة : مملكة صفد ، م.س. ص 95 .
(6)يوسف طباجة : حدود لبنان الجنوبية ... ضمن كتاب 52 عاماً من العدوان ، الصادر عن مجلس النواب اللبناني ، بيروت 2000، ص70.
(7)يتضمن مصطلح نهضوي الإصلاح ، وكذلك يتطلب المصطلح مستوى قيادياً بارعاً .
(1)الشريف : من طرف أمه إبنة السيد محمد الحسني بن معية . راجع : يوسف طباجة : تحقيق ودراسة مخطوطة مختصر نسيم السحر ، مجلة المنهاج ، العدد 52 ، ص116.
(2) " كان والده من فضلاء المشايخ في زمانه ومن أجلاء مشايخ الإجازة " ، أالحر العاملي : أمل الآمل ، م1 ، ص 186 و 103 .
(3) وصف جده بأنه "عالم تُقه زاهد" ، الحر العاملي : م.ن. ص 104 .
(4)المطلبي : نسبة للمطلب أخو هاشم بن عبد مناف جد الرسول (ص) .
(5)هكذا ورد عن الشيخ محمد رضا شمس الدين : حياة الإمام الشهيد الأول ص 30 ، وكذلك عند الشيخ سليمان ظاهر ، صلة العلم بين دمشق وجبل عامل ، العرفان ، م9 ، ص 279 ، والأغلب أنه الخزرجي كون المقدمون الجزينيون هم خزرجيون وهو أحد أنسابهم.
(6)هناك خلاف حول مولد الشهيد فقيل بعد العام 720 وقيل سنة 729هـ وقيل سنة 734هـ ونحن نرجح أنه في النصف الأول من العقد الثالث بعد المائة السابعة للهجرة ...
(7)يوسف طباجة : الشهيد الأول ومشروع القيادة . العرفان : م80 ، العدد 1 و 2 ، ص 61 .
(5)الأمين : أعيان الشيعة ، م10 ، ص
(8)الأمين : أعيان الشيعة ، م10 ، ص
(9)ترجمته في الأمين : أعيان الشيعة ، م5 ، ص 397 . والحر العاملي : أمل الآمل ، م2 ، ص 81 .
(10)وجيه كوثراني : الفقيه والسلطان ، ص 34 .
(11)ترجمته الأمين : أعيان الشيعة ، م9 ، ص 159 ، والحر العاملي : أمل الآمل ، م2 ، ص 261 .
(1)المختاري : الشهيد الأول ، حياته ، ص 64 .
(2)شمس الدين : حياة الإمام الشهيد الأول، ص 38، ولاحظ تحقيقنا ودراستنا لمخطوطة مختصر نسيم السحر، مجلة المنهاج، عدد 52، ص 116.
(3)يوسف طباجة : الشهيد الأول ومشروع القيادة ، العرفان ، م80 ، عدد 1 و 2 ، ص 63 ، والمختاري : الشهيد الأول ، حياته وآثاره ، الفصل السابع ، ص 62 .
(4)طباجة : الشهيد الأول ، م.ن. ومختصر نسيم السحر ، م.ن.
(5)الأمين : أعيان الشيعة ، م1 ، ص 469 ، ذكر في الروضات وفي إجازات البحار .
(6)إبن حجر العسقلاني : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة / م1 ، ص 311 ، ترجمته .
(7)المجلسي : بحار الأنوار ، كتاب الإجازات ، م104 ، ص 183 .
(8)المقريزي : السلوك ، ج3 ، ص 27 .
(9)المجلسي : بحار الأنوار ، كتاب الإجازات ، م104 ، ص 183 .
(1)راجع التفاصيل في دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 1 و 2 ، ص 69 ، ومن الذين استجازهم الشهيد في مصر الشيخ عبد العزيز بن جماعة (قاضي قضاة مصر) الذي ترك القضاء باختياره سنة 765هـ ولم يقبل العودة إليها . فذهب وجاور في المدينة . إبن أياس : بدائع الزهور / ج1 ، ص 32 ... وهذا واستجازه الشهيد مرة ثانية في المدينة بتاريخ 22 ذي الحجة 754 هـ وهذه الإجازة كانت في موسم الحج الذي انتقل إليه الشهيد الأول من مصر برفقة إبن جماعة وآخرون ، ونشير هنا إلى أن الشهيد استجاز في هذا الموسم أكثر من فقيه بين منى ومكة والمدينة . راجع : دراستنا في العرفان ، م.ن. ص 70 .
(2)التفاصيل في دراستنا في العرفان ، م.ن. ص 68 و 49 .
(3)م.ن.
(4)م.ن. ص 70 .
(5)م.ن. ص 66 .
(6)الشيخ سليمان ظاهر : صلة العلم بين دمشق وجبل عامل ، مجلة المجمع العلمي العربي ، م9 ، ص 270 . إلى ذلك راجع : إبن الحسام العاملي وعلاقته ومحاورته إبن تيمية بعد الحملة على كسروان ، أطروحتنا للدكتوراة ، ص 100 وما بعدها .
(7)في أحد مساجدها كانت المكيدة التي دبرت له . راجع : دراستنا في المنهاج ، عدد 52 ، ص 130 .
(1)عن إجازات الشهيد . راجع : دراستنا في العرفان ، م.م. والشيخ المختاري : الشهيد الأول حياته وآثاره ، الفصل السابع ، ص.ص. (62...82). وعن محاوراته وشهادته . راجع : دراستنا في المنهاج ، عدد 52 .
(2)لاحظ : دراستنا في المنهاج ، عدد 52 ، ص 116 .
(3)إلى ذلك قال المحدث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل ، ج20 ، ص 311 . "أعلم أن طرق إجازات علمائنا على كثرتها وتشتتها تنتهي إلى هذا الشيخ العظيم الشأن ، ولم أعثر على طريق لا تمر عليه إلاّ على قليل أشار إليه صاحب المعالم في إجازته" . وبنفس المعنى قال المحدث القمي في كتابه الكنى والألقاب ، ج2 ، ص 346 . "من تأمل إلى طرق إجازات علمائنا على كثرتها وتشتتها وجد جُلَّها أو كلها تنتهي إلى هذا الشيخ العظيم".
(1)يوضح هذا السياق أن الشهيد عندما استجاز إبن جماعة (شريكه في الدرس بداية ، ومدبر له المكيدة خاتمة) كان الأخير في مصر ، وهنا تتضح منهجية الشهيد في الانفتاح على الآخر ، ورحابة صدره ، راجع دراستنا في المنهاج عدد 51 ، ص 194 . ونلفت النظر هنا إلى انه بتاريخ كتابة هذه الإجازة لابن الخازن في 14 رمضان 784هـ ، كان ابن جماعة قد أحرج فأخرج من مصر إلى القدس " بطالاً " . دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد51 ، ص197..
(2)المجلسي : بحار الأنوار ، م107 ، ص 190 .
(3)هذا ما أفصحت عنه مخطوطة نسيم السحر . راجع : دراستنا وتحقيقنا لمختصر نسيم السحر ، المنهاج عدد 52 ، ص 116 و 117 .
(4)راجع مثلا الرواية الواردة في مختصر نسيم السحر ، المنهاج ، عدد 52 ن ص136 .
(5)راجع :عن أحواله وسجنه لمرات وإقامته الجبرية والمكائد التي حيكت له في دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد52 .
(6)نشير هنا إلى ما تعرض له الشهيد من مكائد على المستوى العام ( في بلاد الشام ) وفي جبل عامل بشكل خاص ( اليالوشي والخيامي).
(1)على المستوى الفقهي والثقافي يكفينا الإشارة إلى مؤلفاته ... والتربوي أيضاً كونه كان مدرساً في حله وترحاله بحسب الإجازات التي منحها لطلابه إن كان في الحلّة أو الحجاز أو دمشق أو جبل عامل والأهم تأسيسه لمدرسته العلمية في جزين ، ولا بد من الإشارة إلى تربية أسرته من خلال منهجه التربوي . لاحظ في دراستنا في المنهاج عدد 52 ، إعداد أولاده وكيفية التعامل معهم والدور الذي أناطه بولده الأوسط علي...
أما الاجتماعي فنلاحظ دور الشهيد في إرساء اللحمة الاجتماعية لأبناء جبل عامل ، وبالتالي طبعهم بطابع مدرسته الاجتماعية المسحوبة على مدرسته الفقهية والعلمية ، أيضاً في دراستنا في مجلة المنهاج عدد 52 ، تتضح الصورة فيما فعله بالتصدي لحركة البالوشي .
   أما السياسي فإن اتصاله بعلي بن المؤيد أو اتصال الأخير به والتواصل فيما بينهما قد حدد مساره الشهيد حيث كتب وأرسل له اللمعة الدمشقية ... ثم يتضح الدور السياسي للشهيد في علاقته مع " بيدمر " وقبله " منجك " وبعدهم " برقوق " كل ذلك بحسب مخطوطة نسيم السحر ، راجع دراستنا في المنهاج العددين 51و52 بجزأيها.
 أما الاقتصادي فنشير بادئ ذي بدء إلى أن الشهيد هو أول من أرسى قواعد جمع الخمس من المقلدين . راجع دراستنا في العرفان وكتاب المختاري : حياة الشهيد الأول ، ص 55 .
أما العسكري فيظهر في إعداده لتلامذته وأولاده خصوصاً أثناء التصدي لحركة البالوشي ... راجع دراستنا في العرفان ، م80 ، والمنهاج العددين ، 51 و 52.
(2)نقصد بمدرسة الشهيد الأول المبادئ والأسس العلمية والفقهية التي طرحها أو بالأحرى جددها ، ثم المدرسة التي أسسها في جزين واحتشد فيها الطلبة .
(3) الآصفي : مقدمة الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية .
(1)راجع ما ذكرناه آنفاً ، أما الولايات فهي : ولاية تبنين وصور والشقيف والإقليم ... ويتبعون نيابة صفد . أما المقدميات فكانت مقدمية جزين ومقدمية مشغرة ... ففي الأولى كان الخزرجيون : نسبة إلى سعد الأنصاري شيخ الخزرج (والشهيد الأول خزرجي) . وفي الثانية كان بنو صبح والذين قال عنهم بولياك : الإقطاعية في مصر وسورية ولبنان "أهم الزعماء اللبنانيين في عهد سلاطين المماليك الأول" . ص 45 . وذكر محمد علي مكي في كتابه لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني" أن مقدمي جزين كانوا على تعاون تام مع مقدمي مشغرة" . ص 266. ويبدو أنه :الاستيناس الشيعي" المذهبي حسب بولياك ص 49 . والمقدمون جمع مقدم وهو لقب أطلق في العهد المملوكي وامتد إلى العهد العثماني على زعماء العشائر ويأتي هذا اللقب أو الرتبة الإقطاعية في المرتبة الثالثة بعد الأمير والشيخ ... لاحظ: السيد محسن الأمين : خطط جبل عامل، ص 135 ، وأعيان الشيعة / م2 ، ص 497 .
(2)حول الموضوع : الأمين : أعيان الشيعة ، م1 ، ص 200 ، والخطط ، ص 264 .
(3)الأمين : المرجعان السابقان .
(4)يوسف أبي ضقراء : الحركات في لبنان في عهد المتصرفية ، ص 151 ، وكذلك : الشيخ سليمان ظاهر : معجم قرى جبل عامل ، العرفان ، م8 ، ص 771 . ومحمد علي مكي : لبنان من الفتح ... ص 268 . وجميع هذه المراجع والمصادر تشيير إلى أسباب وكيفية وتاريخ تهجير ونزوح الشيعة من جزين . آل صفا : تناريخ جبل عامل ص 91 . حيث يذكر أن زوجة تامر بك الحسين أحد أمراء جبل عامل في القرن التاسع عشر من آل الصغير (الحاجة بندر كريمة المقدم محمد من مقدمي جزين).
(5)راجع : تحقيقنا للوثيقة في دراستنا في العرفان ، م8 ، عدد 3 و 4 . ص 101 .
(6)راجع أطروحتنا للدكتوراه ، ص .
(1)يراجع في التفصيل عن جزين ما جاء في معجم قرى جبل عامل لمؤلفه الشيخ سليمان ظاهر، العرفان ، م2 ، ص 771 و 772 . حيث يذكر من علمائها عبد الله بن أيوب الجزيني من حواري الإمام علي الرضا (ع) ، ومن شعراء والده الإمام الكاظم ، وهو من رجال المئة الثانية للهجرة . وعده إبن شهر آشوب من شعراء أهل البيت كما في أمل الأمل للحر العاملي ، م1 . ص 111 . ومن شعره ما ذكره السيد محسن الأمين : خطط جبل عامل ، ص 265 ...
(2)راجع ما ذكرناه آنفاً عنهما نقلاً عن أمل الأمل للحر العاملي .
(3)محمد كاظم مكي : الحركة الفكرية والأدبية في جبل عامل ، ط2 ، بيروت 1982 ، ص 29 .
(4)الحر العاملي : أمل الأمل ، م1 ، ص 41 ، والأمين : أعيان الشيعة ، م3 ، ص 319 . (ترجمته).
(5)الأمين : أعيان الشيعة ، م10 ، ص 206 . (ترجمته) ، ويذكر ما قاله خصومه عنه وما قال به رثاءاً إبن الحسام العاملي الفقيه والشاعر الكبير (مر الحديث عنه) بقصيدته الرائعة المشهورة :
                             عرج بجزين يا مستبعد النجف       ففضل من حلها يا صاح غير خفي ...
وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام : "... ثم إنه أقام بقرية جزين (مأوى الرافضة) فأقبلوا عليه وملّكوه بالإحسان" وفيات 676هـ/1275م.
(6)الأمين : أعيان الشيعة ، م. س.ن. حيث يسرد السيد الأمين قصة إبن العود في حلب .
(7)صالح بن يحي : تاريخ بيروت ، ص 47 و 58 .
(8)ها ما يدل على مكانة جزين العلمية التي أثرت لا بد في تكوين شخصية الشهيد الأول ، إذا ما اعتبرنا أن البيئة التي يفتح عليها الإنسان عينيه لها الأثر الكبير في صياغة شخصيته وتكوينها . راجع بهذا الخصوص : عطوف ياسين : مدخل إلى علم النفس الاجتماعي ،    بيروت ، 1981 ، لا سيما الفصل – الثقافة ودلالتها في علم النفس الاجتماعي .
(1)وهذه دلالة قاطعة على أن الشهيد كان في الحلّة دارساً ومدرساً .
(2)بالفعل فقد فرغ الشهيد من تأليف الجزء الثاني من غاية المراد "زوال الخميس منتصف ذي القعدة الحرام سنة 757 هـ بالحلّة . وذكره الشهيد في إجازته لإبن نجدة في عاشر شهر رمضان عام 770 هـ. ودعا لشيخه فخر المحققين (رفع الله درجاته) بـ"دوام الظِلَّ" وهذا دليل على أنه صنفه في زمن حياة شيخه فخر المحققين أو بطلب منه ... راجع حوارات الشهيد مع فخر المحققين في دراستنا لمخطوطة مختصر نسيم لاسحر في مجلة المنهاج العدد 52 .
(3)مخطوطة مختصر نسيم السحر ، تحقيق دراسته يوسف طباجة : مجلة المنهاج ، العدد 52 ، ص 117 .
(4)راجع دراستنا في العرفان ، م80،عدد 3و4،ص 99.
(5)مثلاً إجازته لإبن نجده كما ذكرنا أعلاه .
(6)إجازته لابن الخازن الحائري الأربعاء 12 رمضان 784هـ في دمشق .
(1)هذا بعد أن عرفنا أنه تم الاتصال به والدعوة إليه من قبل علي بن المؤيد وهو لا زال في العراق ، هذا فوق أن كبار رجالات الحلّة - - ويبدو أن أستاذه فخر المحققين منهم - قد طلبوا منه الإقامة بينهم وتسليمه الإمامه فأبى ...
(2)لاحظ إجازات الشهيد والأمكنة التي كتبها فيها : الشيخ المختاري : الشهيد الأول ، حياته وآثاره ، ص 230.
(3)الزنجاني :
(4)مخطوطة مختصر نسيم السحر ، تحقيق ودراسة يوسف طباجة : مجلة المنهاج ، العدد 52 ، ص 124 .
(5)المصدر نفسه ، ص 136 .
(6)عن أهمية مدرسة جزين وتلامذتها ، راجع دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 3 و 4 ، ص.ص. (99...108).
(7)لعلها مئذنة المسجد الذي بناه إبن معية في جزين ، مجموع شرف الدين محمد بن مكي (صاحب مختصر نسيم السحر) ورقة رقم 26 .
(8)أبو شقرا : الحركات في لبنان ، ص 151 .
(1)دراستنا في العرفان م.ن. وعن استمرارية المدرسة ، راجع إجازة الشيخ علي إبن الشهيد للشيخ محمد بن المؤذن الجزيني ، بحار الأنوار ، م108 ، ص 35 .
(2)أبو شقرا : م.ن. ص 152 .
(3)ظاهر : صلة العلم بين دمشق وجبل عامل ، م، س.
(4)محمد مهدي الآصفي : مقدمة رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل ، للسيد علي بن محمد علي الطباطبائي ، ج1 ، ص 73 .
(5)إبن عربي : الحركات الفكرية بين إيران والبلاد العربية ، مجلة الألواح ، السنة الأولى ، 1950 ، ص 13 .
(6)دراستنا لنسيم السحر في مجلة المنهاج ، عدد 52 ، ص 122 .
(1)دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 1 و 2 ، ص 73 .
(2)رضا المختاري : الشهيد الأول ، حياته وآثاره ، ص 129 .
(3)مهدي فضل الله : محمد بن مكي وزين الدين علي ، مجلة الباحث ، العدد 6 ، ص 21 .
(4)الطهراني ، الذريعة ، م24 ، ص 267 .
(5)راجع : المختاري : م.ن. ص 54 .
(6) م.ن ،ص54 و56 .
(7)م.ن ، ص55 . ودراستنا في العرفان ، م80، عد3و4، ص121.
[1] )م،ن .
(2)سوف نعرض عن العرض التفصيلي لمؤلفات الشهيد وآثاره ونحيل المهتم إلى دراستنا في العرفان ، م81 ، العدد 3 و 4 ، ص 109 ، وما يليها ، ثم أن صديقي المحقق العلامة الشيخ المختاري كفانا مؤنته في كتابه الثري : الشهيد الأول ، حياته وآثاره والذي خصص فيه الباب الثاني لمؤلفات الشهيد ...
(3) لاحظ ما ذكره صدييقنا المحقق العلامة الشيخ المختاري عن غاية المراد في كتابه ، الشهيد الأول ، حياته وآثاره .
(4)سليمان ظاهر : صلة العلم بين دمشق وجبل عامل ، م.م. ص 274 .
(5)طباجة :العرفان ، م.س. ص 121 . لاحظ ما أدرجه الشيخ المختاري من تعليقات على كتب الشهيد في : الشهيد الأول ، حياته وآثاره...
(6) المجلسي : بحار الأنوار ، م108 ، إجازات العلامة الكركي . ولاحظ استفادة العلامة الكركي واستناده إلى الشهيد الأول في كتابه:قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج . والعليقات للمحقق الأردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني . في الخراجيات : مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1413هـ.
(1)د. صبحي محمصاني : المبادئ الشرعية والقانونية في الحجر والنفقات ، دار العلم للملايين ، بيروت 1987 ، ص 45.
(2) الأدلة الأخرى عند المذاهب الإسلامية تختلف فيما بينها أيضاً / فالحنفي يأخذ بالإجماع والقياس والاستحسان . بينما يأخذ المالكي بالإجماع والمصالح المرسلة . أما الشافعي والحنبلي فيأخذان بالاستدلال واستصحاب الحال – حول الموضوع راجع : محمصاني : م.ن. ص 48 و 49 وتاريخ القوانين – ولاحظ لاحقاً عقيدة الشهيد ...
(3)الأمين : أعيان الشيعة ، م1 ، ص 111 . تجد شروط الاجتهاد عند الشيعة ...
(4)لاحظ : اللمعة الدمشقية ، والدروس الشرعية للشهيد ...
(5)هناك رسالة أخرى في العقيدة للشهيد الأول بعنوان (الرسالة الطلائعية : في أربعة فصول : التوحيد والعدل والنبوة والإمامة. وهي مخطوطة حققها الشيخ المختاري ولدينا نسخة مصورة عنها . المهم الذي نود الإشارة إليه هنا هو اهتمام الشهيد إلى هذا الحد في مسألة العقيدة وهي إحدى التهم التي قتل لأجلها ...!؟.
(6)هذه المسألة إلى المسائل اللاحقة تنفي ما ذهب إليه إبن خلدون في تاريخه من اتهامات. راجع دراستنا لمختصر نسيم السحر. العدد 51، ص 197 . وهو بذلك لا يختلف عما قاله الطاهر بن حبيب (ت808هـ) في سبب قتل الشهيد... الزندقة في مخالفة الله ... تحليل الخمر ... في أنها من النور ... وتغالياً في حبة ابن ملجم (!؟) ...". وإبن قاضي ضهبة (ت 851هـ)....وابن حجر العسقلاني (ت852هـ).وابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ) . راجع المختاري : الشهيد الأول ، حياته وآثاره ، ص 112.
(1)في هذه المسألة إشارة واضحة إلى اليالوشي ومذهبه الذي كاد أن ينتشر ويتجذر في جبل عامل بعد أن أعلن نفسه نبياً . راجع دراستنا في المنهاج، عدد 52 ، ص 124 .
(2)الشهيد الأول / مخطوطة (المسائل الطلائعية) ، الفصل الرابع الورقة 4 ، ومضمونها يوافي الأربعينية والعقيدة .
(3)لمزيد من التفاصيل حول المسائل الأربعينية ، راجع : دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 5 و 6 ، ص.ص (46...51).
 
(1)المختاري : رسائل الشهيد الأول ، ص 153 .
(2)جذور فلسفية : انظر حول هذه المسألة مثلاً الكندي والفارابي وإبن سينا في موضوع الاجتماع البشري الذي يحتاج إلى (العقل الفعال) الذي هو من الإنسان بمنزلة الشمس من البصر... (المدينة الفاضلة ص 40) . من هنا تصبح النتيجة على المستوى الاجتماعي والسياسي واضحة تقريباً . إذ تبدو النظرة إلى مسألة (الاجتماع البشري) نتيجة أو أثراً منطقياً لمفهوم العقل ووظيفته وليس العكس ، فرئيس الفارابي وسان إبن سينا هما العقل الفعال ... راجع : أطروحتنا للدكتوارة ، ص 38 . وهذا معنى وجوب الإمامة أو الرئيس أو السان بالعقل ، وهذا ما يتفق مع آراء أهل الشيعة عامة والشهيد الأول خاصة .
(3)د. عدنان نعمة : دولة القانون في حكومة الإمام علي . ص 52 . ود. رضوان السيد : الأمة والجماعة ، ص 145 . والسيد عبد الحسين شرف الدين : المرجعيات . ص 239 .
(4)دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 5 و 6 ، ص 48 .
(5)السيد عبد الحسين شرف الدين : المرجعيات ، مراجعة الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر ، رقم 75 ، ص 236 .
(1)راجع المساءل الآنفة الذكر للشهيد من رقم 24 ... وقارن مع السيد محسن الأمين : أعيان الشيعة . م1 ، ص 106 .
(2)د. علي شريعتي : الأمة والإمامة ، ص 170 .
(3) لمزيد من التوضيح راجع اطروحتنا للدكتوراة ، ص 38 وما يليها .
(4)ضياء الدين الريس : النظريات السياسية الإسلامية ، ص 87 ، كذلك : برنارد لويس : السياسة والحرب في تراث الإسلام ، ص 234.
(1)كامل الشيبي : الفكر الشيعي والنزاعات الصوفية ، ص 153 .
(2)جعفر المهاجر : الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي ، ص 59 .
(3)الجزري : غاية النهاية في طبقات القراء . ص 265 .
(4)المجلسي : بحار الأنوار ، م107 ، ص 178 .
(5)م.ن.
(6)م.ن. ص 182 .
(7)م. ن. م 109 ، ص 72 .
(8)دراستنا لمخطوطة مختصر نسيم السحر ، المنهاج ، عدد 52 ، ص 134 .
(1)م.ن. ص 135 ، لم نعثر على ترجمة للسيد البعلبكي .
(2)م. ن. ص 137 ، وردت إجازة الشهيد له في البحار ، م107 ، ص 187 . وهي من أشهر الإجازات المعروفة .
(3)وهو من أشهر تلاميذه ، وإجازته له أيضاً من أشهر إجازات الشهيد ، وردت في البحار ، م107 ، ص 193 .
(4)والي : تابع ... وتأتي بمعنى تولى الشيء : أدبر عنه ، أي أعرض وتركه . ولعله هنا يقصد المناصب الحكومية أو السلطة .
(5)عدى : فلان عن الأمر : خلاه وانصرف عنه ، وعدي الشيء : جاوزه ...
(6)لأنه من الأساس ولأجل ذلك عرض عن الوظيفة مع السلطان سوى النصح ، إن لجهة ابن المؤيد أو أرباب السلطة المملوكية ...
(7)العار : العيب .
(8)سورة القلم / 4 .
(9)سورة يوسف / 31 .
(1)ترجمته : الأمين : أعيان الشيعة ، م5 ، ص106 ، والصدر : تكملة أمل الأمل ، ص 149 .
(2)دراستنا في المنهاج : عدد 52 ، م.ن. ص 139 . هذا وهناك شهادات كبار العلماء فيه من العلامة الكركي إلى الشهيد الثاني وغيرهم. وقد كفانا مؤنة ذكرهم الصديق المحقق الشيخ المختاري في كتابه : حياة الشهيد وأثاره ، حيث أفرد له الفصل الخامس ، ص 43 .
(3)الخونساري : روضات الجنات ، م7 ، ص 3 .
(4)الشيبي : الفكر الشيعي ، م.س. ص 156 وهامشها .
(5)الأمين : أعيان الشيعة ، م10 ، ص 63 ، راجع دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 5 و 6 ، ص 52 .
(6)الشيبي : م.ن. ص 155 ، حيث يتحدث عن الشهيد كونه صوفياً وهذا منافٍ للحقيقة وما تظهره قصيدته الفائية الآتي الحديث عنها .
(7)الشهيد الأول : اللمعة الدمشقية ، ص 103 . والشهيد الثاني : الروضة البهية ، م3 ، ص 214 .
(8)راجع الوقائع المذكورة في دراستنا في مجلة المنهاج ، عدد 52 ، ص 124 . وهذا ما ذهبنا إليه في دراستنا في العرفان م80 ...
(1)السيد محمد العيناتي : الإثنا عشرية في المواعظ العددية ، ص 33 .
(2)ذكر لي الحاج عيسى غندور (ولد 1908م) رئيس بلدية النبطية الفوقا أن أحد الرحالة الفرنسيين قام بأعمال الحفر في البلدة وعثر على قبور في أعناق أصحابها مسابح طويلة ... المقابلة بتاريخ 22/3/1991م.
(3)الظاهر أن هذه الحملة هي جزء من تصديه لظاهرة اليالوشي الذي يبدو أنه كان يأخذ بطريقة من طرق الصوفية ... لاحظ دراستنا في المنهاج العددين ، 51 و52 ....
(4)دنف : المريض دنفاً : اشتد مرضه وأشفى إلى الموت ، فهو دنف ... والصلف : التكبر والتفاخر ، أي أن الشهيد لا مع ذا ولا مع ذاك.
(5)دَلَقَ : الشيء دلقاً : أخرجه ، يقال : دلق السيف من غمده ، اندلق الشيء : اندفع من مكانه ، أي أن التمظهر بالفقر ليس شرفاً بل العلم كما أظهر في أبياته المار ذرها أعلاه . لأن الفقر سر كما عبر لاحقاً في القصيدة الفائبة هذه .
(6)السدفة : الظلمة (جمع) سُدَف ، يقال سَدِفَ : أظلم .
(7)الخمس : (جمع) أخماس ، ويقال : ضرب أخماساً لأسداس أو بأسداس . لمن يبطن أمراً ويظهر غيره ، وهنا يستعمله الشهيد للدلالة على الحيرة والتردد . ونشير هنا إلى أن النص الذي أثبتاناه هنا هو من مجموع مخطوط للشيخ شرف الدين محمد بن مكي– من ذرية الشهيد – صاحب مختصر نسيم السحر - . ورقة 16 و 17 .
(8)هذا البيت وما قبله يدل على عرفانية الشهيد وليس تصوفه .
(1)الشهيد الأول : الدروس الشرعية ، ج2 ، ص 301 .
(2)الخونساري : روضات الجنات ، م7 ، ص 18 .
(3)الإصلاح عند الشهيد هو بمعنة Evolution أي حركة نهضوية وتجديد وليس la réforme إثارة وإيقاظ ...راجع لاحقا .
(4)حول الموضوع ، وعلاقة العلامة الكركي بالشهيد الأول كمشروع نهضوي ، راجع أطروحتنا للدكتوراة ص 180، وحول رأي العلامة الكركي بالشهيد الأول . راجع المختاري : الشهيد الأول حياته . ص45 ، وكذلك يمكننا رصد تأثر العلامة الكركي بالشهيد من خلال مؤلفاته خصوصاَ مسألة الخراج وما أثارت من جدل ونقاشات .راجع : العلامة الكركي : قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج ، والرد عليها ..م ، س ، م .
(5)الأمين : أعيان الشيعة ، م10 ، ص 63 .
(1)راجع : دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 1 و 2 ، ص 60 وما يليها .تجد إجازته من علماء وفقهاء أهل السنة .
(2)إبن منظور : لسان العرب ، م6 ، مادة سوس ، ص 108 .
(3)راجع آنفاً في هذه الدراسة .
(4)عندما سوئل لمن الحكم ... راجع : ابن قتيبة الدينوري : الإمامة والسياسة ، ج1 ، ص 128 . وأطروحتنا للدكتوارة ، ص 49 .
(5)سورة يوسف ، 40 .
(6)إبن منظور : لسان العرب ، م13 ، مادة : دين ، ص 166 .
(7)د. نعمة : دولة القانون في إطار الشرعية الإسلامية ، ص 123 .
(8)إبن منظور : م13 ، م.س.
(9)الإمام علي : نهج البلاغة ، شرح ، الشيخ محمد عبدو : ج3 ، ص 82 ، وشرح أبو الفضل إبراهيم : ج17 ، ص 30.
(10)الشهيد الأول : اللمعة الدمشقية والدروس الشرعية وغيرها .
(1)هذا ما ورد في المسائل الأربعينية والطلائعية عند الشهيد الأول .
(2)بالقضاء على حركة اليالوشي الذي كاد أن يظهر جبل عامل من ولائه لآل البيت .
(3)قلنا أن الحقبة التي عاشها الشهيد هي المعروفة بعصر الإنحطاط ... لاحظ أطروحتنا للدكتوراة ، ص 30 .
(4)لاحظ أهمية ودور العقل عند الشهيد في المسائل الأربعينية والطلائعية وغيرها من مصنفاته .
(5)المحدث النوري : خاتمة مستدرك الوسائل ، ج3 ، ص 438 .
(6)أطروحتنا للدكتوراة ، الفصل الأول .
(7)م.س.ن.
(8) حول هذا لاحظ ماذكره تلامذته وخصوصا ابن نجدة . دراستنا في المنهاج عدد52 ، ص138 .
(1)راجع : أطروحتنا للدكتوراة ، الفصل الأول ، ورضوان السيد الأمة والجماعة والسلطة ...والأعداد الثلاثة الأولى من مجلة الاجتهاد .
(2)راجع تنوع بلدان تلاميذه : المختاري : الشهيد الأول حياته وآثاره (تلاميذته والراوون عنه) ص 83 .
(3)لاحظ في دراستنا لمخطوطة مختصر نسيم السحر إطلاق يده من قبل السلطان برقوق في كافة الأقطار الشامية . المنهاج ، العدد 52، ص 123 .
(4)حول ذلك راجع دراستنا في العرفان ، م80 ، ... العدد 7 و 8 ، ص 62 .
(5)حول الموضوع ، راجع : الشريف المرتضى : مسألة في العمل مع السلطان ، في : مهدي رضائي : رسائل الشريف المرتضى ، ص89. وأوردها رضوان السيد في آخر كتابه : الأمة والجماعة والسلطة ...
(6)حول ذلك في زمن الشهيد راجع ، طه الطراونة : مملكة صفد ، م.م.ص 307 . وإلى ذلك راجع نهاية : الفقيه إبن تيمية...
(1)الشريف المرتضى : مسألة في العمل مع السلطان م.س. ص 93 .
(2)لاحظ في دراستنا في المنهاج ، عدد 52 ، المرات العديدة التي عقد فيها الشهيد حوارات مع فقهاء السلطة لإثبات عقيدته وصحة رأيه ، ص 119 و 129 ... وكذلك ملاحظتنا عن إبن خلدون في المنهاج ، عدد 51 ص 197 . كذلك أقوال تلاميذه وخصوصا ابن نجدة والتي استوحينا رأينا هذا منها . المنهاج عدد52 ، 138 .
(3)لاحظ مثلاً ما نسبه إليه البعض كاستحلال الخمر والزندقة وتعظيم حبه لابن ملجم ، المختاري : الشهيد الول ، حياته وآثاره ، ص 112. بالمقابل لاحظ ما ذكره الجزري (ت 833هـ) . غاية النهاية : ج2 ، ص 265 . "... وهو إمام في الفقه والنحو والقراءة ، صحيني مدة مديدة فلم أسمع منه ما يخالف السنة ، ... وأمره إلى الله تعالى". وفي معرض هذا ورغم محبة الشهيد لدمشق وإقامته فيها ، وأن أولاده ولدوا فيها . يصف الحالة فيها متأففاً فيقول : وكأنه يتنبأ ما سيكاد له :
دمشق دمشق فلا تأتهـا    وإن غرك الجامع الجامع
                                  فسوف الفسوق بها قائم     وفجر الفجور بها طالـع
(4)الرواية في دراستنا لمختصر نسيم السحر ، المنهاج ، عدد 52 ، ص 130 .
(5)هكذا ورد في مخطوطة مختصر نسيم السحر ، دراستنا في المنهاج ، عدد 52 ، ص 119 .
(6)راجع نص الرسالة في دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 3 و 4 ، ص 119 .
(1)راجع إثباتنا لهذا التاريخ في دراستنا لمختصر نسيم السحر ، المنهاج عدد 51 ، ص 187 .
(2)راجع نص الوثيقة في دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 3 و 4 ، ص 101 .
(3)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص 120 .
(4)م.س.ن.
(5)لا شك أن هذه الرسالة (الكتابات) هي على ديدن كتب سراج او نصائح الملوك ، ولكن هذا الكتاب وهذه الآراء لم تأخذ حيزاً في مؤلفات الشهيد الموجودة سوى ما أشار إليه تلميذه ابن نجدة حين قال : " ناصح للملوك .." مختصر نسيم السحر في المنهاج عدد52 ، ص138 .، ولكنها في جميع الأحوال تختلف من حيث المنهج السياسي النابع من إشكالية أن السياسة تدبير وهي جزء من الرسالة الدينية الإسلامية وهذه الكتابة نرى أنها جزء من مشروع الشهيد النهضوي / سياسي ...
(6)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص 120 .
(7)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص 117 .
(8)قارن مع " الشريف المرتضى : مسألة في العمل مع السلطان ، م.س.
(1)تماماً هي مدرسة الإمام الحسين عليه السلام .
(2)يرجح الشيخ المهاجر أنه في العام 784هـ وأن هناك خطأ في النسخ ... راجع : المهاجر : الهجرة العاملية ... ص 75 .
(3)وهي التهمة أو المكيدة التي دبرت للشهيد وعليها تم قتله لنسأل أو ليس الإمام علي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة..!؟
(1)وهي تضم جزءاً كبيراً من جبل عامل خصوصاً جزين ونواحيها ، إلى ذلك هناك أخبار متواترة أن في الساحل كبلدات برجا وشحيم وغيرها كانت على مذهب أهل الشيعة ، وكذلك بلدات الجية وجونوغيرها التي لا زال قسم من أهاليها شيعة على ولاء لأهل البيت ...
(2)لاحظ المباغلة والتعريض ، وراجع تعليق المحقق في ذلك المصدر بقوله أن هذا غير صحيح ...
(3)يعني المذهب المسيحي ...
(4)لاحظ هذه العبارات وقارن بالمواقف الإيمانية للشهيد في سيرته وكتبه ...
(5)نفس مضمون فتوى ابن تيمية تجاه أهالي كسروان الشيعة ... راجع : أحمد بيضون : الصراع على تاريخ لبنان ، ص.ص(13..111) وأطروحتنا للدكتوراة ،ص 92.
(6)النص مأخوذ من : القلقشندي (ت821هـ/1418م) : صبح الأعشى في صناعة الإنشاء ، م13 ، ص 41 .
(7)راجع ما ذكرناه حول القصيدة الرائية . المنهاج ، عدد 51 ، ص 190 .
(1) لم نعثر على هذا الاسم كما هو وارد هنا (عباد) بل.. ابراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن جماعة، ابن أخ قاضي القضاة عبد العزيز بن جماعة أستاذ الشهيد..راجع المدخل إلى التحقيق .
(2) هو المحرّض الأساسي على قتل الشهيد كما سيتضح لاحقاً.
(3)المحجة البيضاء :الطريق المستقيم أو جادة الطريق ومعظمه . راجع : نهج البلاغة ، خطبة67 .وهذا الوصف لحال الشهيد يدل أيضا على المكانة والمركز المرموق الذي كوّنه لنفسه، وعلى الدور الذي اضطلع به في تلك الحقبة من الزمن .
(4) عن دفع الأموال لتولي القضاء راجع ما ذكرنا في مقدمة التحقيق.
(5) القصيدة معروفة ولكن أبيات جديدة أظهرتها مخطوطة مختصر نسيم السحر ،المنهاج عدد52 ،ص 118.
(6) أيضاً أسماء هذه المدن الشامية، لا بل أهمها، تدل على المدى الحيوي لانتشار نفوذ الشهيد والسماع لرأيه، وهو الذي بنى شبكات علاقات واسعة على امتداد البلاد وعرضها كما تبين لنا هذه النصوص، وكما هو معروف بأنه هو صاحب نظرية الوكلاء...
(1)أي الإقامة الجبرية في القلعة.. دون تعطيل لدوره الفكري والفقهي، ودلالة ذلك لقاءاته ومحاوراته وإن اقتصرت على ـ علماء الشام ومعتبريهاـ.
(2) بحساب الجمل: (خوفاً: 687) + (منه: 95) = 782.
(3) يبدو أن بيدمر لم يكن على علم بحال الشهيد وسجنه، كون بيدمر في هذه الفترة كان بمصر إلى جانب برقوق (الأمير الكبير) كفيل السلطان الضعيف، الذي رتب عزله وجلس على تخت السلطنة. راجع: المقريزي: السلوك، م.ن. ص 439. وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، م5، ص 472. وابن أياس: بدائع الزهور، م.ن. ص 285... وبعد النتيجة الواضحة لمصداقية الشهيد أخبر بيدمر أحد "معتمدي أهل الشام" من قبل السلطة المملوكية وثقاتها ولم يكتب الشهيد لبيدمر لنفسه، وسنلاحظ أنه كتب له عندما تهدد الأمر المجتمع والأمة . مثلا:أثناء عزمه على إنهاء حركة اليالوشي كما ستبين المخطوطة لاحقا.
(4) هذا يدل على أن المشكلة مع "العلماء"، وأن خطورة المسألة وحجمها تظهر من:
-         حجم الحشد المدعو للمناظرة ونوعه، ومجاله الفكري والجغرافي.
-         أن الداعي والمهتم بالقضية هو السلطان.
-         أن المناظرة بقيت مفتوحة على مدار ثلاثة أيام.
-        أهمية الشهيد  وحضوره وتأثيره في المجالين الفكري والجغرافي.
(5)راجع النص في دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج عدد52 ،ص ص(118..123 ) .
(1)صالح بن يحي : تاريخ بيروت ، ص 111 .
(2)قارن ما ذكرناه عن فتنة اليالوشي في دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 7 و 8 ، ص 62 ، والجديد الذي كشفته مخطوطة مختصر نسيم السحر ، دراستنا في المنهاج ، عدد 51 ، ص 190 و عدد 52 ، ص 124 وما يليها .
(3)أعني هنا سيرورة تكون الجماعة وفق الدور الذي يؤديه الشهيد على الساحة العاملية التي استطاع أن يحصنها بفعل موقفه هذا من فتنة اليالوشي ...
(4)Clausewitz : de la guerre . T1. P7a. . والترجمة العربية : كلاوزفيتز : عن الحرب ، ترجمة : سليم شاكر الإمامي ، الكتاب الأول. عن طبيعة الحرب . الفصل الأول والثاني ، ص 103 وما يليها .
(5)عن تلك الاضطرابات ووصول برقوق إلى السلطة . راجع : المقريزي : السلوك ، م3 ، ص 31 ، وص 305 و 336 ... وقارن مع: محمد علي مكي : لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني ، ص 252 .
(1)لاحظ الثناء على علي بن المؤيد من قبل مؤرخ تيمورلنك : ابن عرب شاه : عجائب المقدور في أخبار تيمور ، ص 26 .
(2)سعيد عاشور : العصر المماليكي في مصر والشام . ص 339 .كذلك لاحظ انتقادات الشهيد للصوفية كما أسلفنا .
(3)الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج1 ، ص 41 : "كان التصوف منتشراً واسعاً وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا على العوام أي تأثير . بل على الحكام المماليك" .
(4)المرجع السابق : ولاحظ نقاشات الشهيد في مجلسه في دمشق وأثناء إقامته الجبرية . دراستنا لمختصر نسيم السحر في مجلة المنهاج، عدد 52 ...
(5)عن اليالوشي راجع دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 3 و 4 ، ص 107 . لكن مخطوطة مختصر نسيم السحر وضمت الأمر أكثر فهو: محمد بن تقي الدين الجبائي البابلي . أما الجبائي : فإن في جبل عامل بلدة باسم (الجبين) جنوب مدينة صور ، والبابلي: هناك بلدة على مقربة من برج يالوش وبموازاتها شمالاً تدعى (البابلية) . ولعله ينسب إلى الأماكن الثلاثة (بالوش والجبين والبابلية) . دراستنا في المنهاج ، عدد 52 ، ص 124 .
(6)لاحظ قصيدة الشهيد التي يهاجم بها الصوفية .
(7)لاحظ في دراستنا في المنهاج لمختصر نسيم السحر ، عدد 52 . ص 124 وما يليها . أعمال السحر والشعوذة التي كان يقوم بها اليالوشي ومدى إلمام الشهيد أيضاً بهذا العمل فقط لرده وتعطيله وهو يفتي بتحريمه ...
(8)هذا ما جاء في مختصر نسيم السحر ، م.س. وكنا قد ذهبنا إليه في دراستنا في العرفان ، م80 ، عدد 7 و 8 ، ص 65 .
(1)كانت المملكة الشقيقة تضاهي الولاية المستقلة . عاشور : العصر المماليكي ، م.س. ص 102 ، نقلاً عن القلقشندي : صبح الأعشى ، التقسيم الإداري ...
(2)ظاهر : معجم قرب جبل عامل ، العرفان ، م8 ، ص 655 ، وم26 ، ص 500 ، تجد دراسة مستفيضة عن النبطيتين ...
(3)لاحظ الخرائط المرفقة في أطروحتنا للدكتوراة .
(4)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص125 . وهذه المواقف وفق نظرية الشهيد " التدرج " .
(5)قارن ما كنا ذهبنا إليه في دراستنا في مجلة العرفان ، م80 ، عدد 7و8 ص62... وما جاء في دراستنا لمختصر نسيم السحر وحققناه في مجلة المنهاج ، عدد52 ص128 .
(6) هي إلى الغرب من نبطية التحتا "، راجع : سليمان ظاهر : معجم قرى جبل عامل ، العرفان ، م8 ، ص 659 .
(7)دلالة على حشد اليالوشي لكثير من الأنصار والأتباع .
(1)مقبرة الشهداء المعروفة في منطقة النبطية حي الواقعة ما بين النبطية التحتا والفوقا ، لكن ما تصرح به هذه المخطوطة لم نجد له أي أثر بعد كشفنا وسؤالنا في وادي زبدين عن مقبرة هناك ...
(2)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص 125 .
(3)يبدي لنا هذا النص رحابة صدر الشهيد ، المترافق مع الإصرار على التصدي والقضاء على ظاهرة الإرتداد والإدعاء عند اليالوشي.
(1)لاحظ ما ذكرناه حول هذه الرسالة في دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد 52 ، ص 152 .
(2)هذه دلالة على نفوذ أمر الشهيد لدى السلطة ولدى أهالي جبل عامل ، لاحظ تعليقنا في المنهاج ، عدد 52 ، ص 154 .
(3) إشارة إلى محاولات الشهيد ثني اليالوشي عن مواقفه وحركته .
(4)يفيدنا هذا النص بالقدرة التي كان الشهيد يتمتع بها وتصرفه كفقيه قائد نائب للإمام وسريان أحكامه ..
(5)إشارة إلى الشهيد ألـ 35 من تلامذته .
(1)أي أن الشهيد قد قضى عليه ... وهذا ما أفتى به الشهيد في الدروس الشرعية ، ج2 ، كتاب المرتد ، خصوصاً ص 61 ، حيث يقول : "وقاتل المرتد الإمام أو نائبه".وهذا ما أكد عليه كاتب مختصر نسيم السحر في مجموعه المخطوط ورقة 30و43.
(2)صورة عن المجتمع الهش الذي بناه اليالوشي مقابل اللحمة الاجتماعية التي كان بصدد بنائها الشهيد .
(3) يبدو أن السلطان برقوق كان على علم بتحرك الشهيد للقضاء على ظاهرة اليالوشي .
(4)هذا الوصف معبر بالحقيقة عن منهج الشهيد في تطبيق مشروعه وإنجازه .
(1) قبل هذا المرتد توافينا وثيقة المقداد السيوري ( بحار الأنوار م107،ص184) - أحد أبرز تلامذة الشهيد – وهي الوثيقة الوحيدة التي كانت أرخت لاعتقال الشهيد ومقتله بشيء من التفصيل ، قبل أن نكتشف مخطوطة مختصر نسيم السحر ، والتي جاء فيها : " أن سبب حبسه ( أي الشهيد ) أن وشى به تقي الدين الخيامي ( نسبة لبلدة الخيام في جبل عامل – يرجح أنه كان من تلامذة الشهيد الأول ) بعد جنونه ، وظهور إمارة الارتداد منه : أنه كان عاملا ( راجع تعليقنا على التهمة في دراستنا في العرفان م80 عدد 7و8،ص73 وما يليها ) ، ثم بعد وفاة هذا الواشي ( الذي يبدو أنه قتل لكذب في وشايته ، أو لفشل في تأليب العامليين على الشهيد ..) .العرفان ،م.ن ،ص71.حبسه (أي الشهي ) أن وشى به تقي الدين الخيامي ( نسبة لبلدة الخيام في جبل عامل – يرجح أنه كان من تلامذة الشهيد الأول ) بعد جنونه ، وظهور إمارة الارتداد منه : أنه كان عاملا ( راجع تعليقنا على التهمة في دراستنا في العرفان م80 عدد 7و8،ص73 وما يليها ) ، ثم بعد وفاة هذا الواشي ( الذي يبدو أنه قتل لكذب في وشايته ، أو لفشل في تأليب العامليين على الشهيد ..) .العرفان ،م.ن ،ص71.
(2) اللافت هو أن الفترة الزمنية بين القضاء على اليالوشي وظهور يوسف بن يحيى ليست بعيدة. أما المقارنة أو إضافة هذا الرجل الآخر (يوسف بن يحيى ) إلى اليالوشي (كمرتدين)، والإشارة إلى ارتداده عن مذهب الإمامية ليصبح "عدو الإمامية" ، وشرع في التشنيع عليهم عموماً وعلى الشيخ الشريف ـ الشهيد ـ خصوصاً، وأظهر لأهل السنة بعض مصنفاته مما يظهر تشيعه".. لدلالة على أن الشهيد كان يظهر بمظهر الشافعية ويكتم تشيعه تقية، ولكن حرية الاعتقاد والتحرك في جبل عامل ، وبعض بلاد الشام ، يبدو أنها كانت محفوفة بالمخاطر رغم هامش الحرية الذي كان موجوداً.
(3) هي رسالة غير معروفة ويبدو أنها مفقودة.
(4) وهي رسالة غير معروفة ولعلها فقدت في ما فقد من كتب الشهيد... وبهذا العنوان الدرة الباهرة، المشكوك بنسبتها للشهيد، وإنما ورد مضمونها في مجموعة الجبعي.... نقلاً عن خط الشهيد. راجع: مختاري: حياة، ص 287.
(5) وهي "المقالة التكليفية". رسالة في العقائد والكلام، شرحها الشيخ علي بن يونس البياضي العاملي تحت عنوان: الرسالة اليونسية في شرح المقالة التكليفية. راجع: مختاري: حياة، ص 216.
(6) وهو كتاب "جامع البين من فوائد الشرحين" راجع: مختاري، ص 151.
(7) لا يوجد أثر للشهيد بهذا العنوان سوى "غاية المراد في شرح نكت الإرشاد" وهو كتاب معروف للشهيد. راجع: مختاري، حياة، ص 188.
      وهناك كتاب منسوب للشهيد تحت عنوان "غاية القصد في معركة الفصد". راجع: مختاري، حياة، ص 290..
(8) لعل هذا المأزق هو السبب في فقدان بعض مؤلفات الشهيد ومنها المذكورين أعلاه.
(9) "بأنه شيعي"، وتورد المصادر عن ملاحقة أتباع المذهب في بلاد الشام، وأن من أراد أن يكيد لشخص رماه بالتشيع. راجع: طباجه، العرفان م80، عدد 1 و2، ص 52.
(1) أي جبل عامل، وهذا النص موافق لما ورد في وثيقة المقداد السيوري، تلميذ الشهيد. والتي كانت قبل هذه المخطوطة الوثيقة الوحيدة التي تتحدث عن قتل الشهيد وكيفيته.
(2) على هنا تتوافق وثيقة المقداد السيوري مع مخطوطة مختصر نسيم السحر .
     وعليه لاحظ: صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، حوادث 784هـ، ص 111، حول بيدمر نائب الشام، وتحركه في بيروت فيالعام 784هـ، وهو العام الذي أطلقت يد الشهيد فيه، والعام 785هـ الذي نفترض أن الشهيد قضى فيه على حركة اليالوشي.. "... لما تحركت الشيعة في بيروت، وأظهروا القيام بالسنة، ومعهم مرسوم سلطاني، وكانوا في الباطن قائمين بمذهب الشيعة، وجرى لذلك حركة رديئة، فاغتنم بيدمر الفرصة".
(3) نقول أن هذا الحسد والبغض لم يأت من كون الشهيد رجل دين شيعي، بل كونه "آمر بالمعروف وناه عن المنكر، وأنه مرجع للخاصة والعامة" أي للسنة والشيعة. هذه المكانة العلمية العالية، والعلاقات والروابط التي عقدها الشهيد، خصوصاً من كبار رجال السلطة، وعلى رأسهم السلطان برقوق. هي التي ساعدت على قوة حضوره وبسط نفوذه. وبالتالي اشتعال نار الحسد من مناوئيه.
(4)عين ابن جماعة قاضي القضاة بدمشق اعتبارا من شوال 785هـ . المقريزي:السلوك ،م.م، ص504 . وهذا ما يؤكد أن ابن جماعة هذا هو نفسه عباد بن جماعة، ولعل هذا الإسم هو الشائع الذي كان يعرف به بين العامة في بلاد الشام .لنذكر هنا ، أن ظهور هذا المرتد ابن يحي ، وتلك العرائض ، حصلت بعد وصول ابن جماعة في أواخر العام 785هـ إلى دمشق ، ولعله هو السبب في تهييج وهجوم هؤلاء المرتدين ، لعلمهم بما بين الشهيد وابن جماعة من خلاف وتباين بالرأي والموقف ..؟.
     إلى ذلك فإن هذا المقطع من المخطوطة هنا ، مطابق تماما لما ورد في وثيقة المقداد السيوري عن اعتقال ومقتل الشهيد . حيث أن سياقها يؤدي إلى محاكمته وقتله، وليس إطلاقه كما هو مبين هنا في مختصر نسيم السحر التي يعود ليتطابق سياقها ونصها عن محاكمة الشهيد ومقتله، مع سياق ونص وثيقة السيوري التي يبدو أنها مجتزأة وليست كاملة بحسب مقارنتها بمختصر نسيم السحر .. لاحظ ما بيناه في العرفان م80 ،عدد7و8 ،ص72 .     
(5) هذه المدن تشكل حواضر مملكة دمشق في تلك الحقبة، والتي يبدو أن الشهيد كان له معارف وأنصار فيها وبالتالي امتداد نفوذه أيضاً، وهذا ما لحظناه آنفاً في رسالة برقوق له...
(6) هذا النص مصداق قولنا عن قوة حضور الشهيد ومكانته خصوصاً في دمشق، التي استطاع الشهيد أن يكوّن لنفسه فيها مكاناً مرموقاً جعله مقصداً لـ"عظماء الشام وكبارها". إلا ابن جماعة، وهذا ما يحدو بنا إلى القول بأن "الشخصانية" والتحاسد بين رجال الدين، هو الذي ضيق على الشهيد، وبالتالي قتله. وهذا الأمر معروف في المجتمع الإسلامي خصوصاً عند من هم أقرب إلى السلطة. وهذا ما بيناه آنفاً.
(1) أي أن هذه المحاكمة لم تكن في دمشق عاصمة المملكة، بل في القدس، ولعل في ما ذهب إليه الكاتب تكمن الحقيقة. وربما حصلت في الفترة التي عزل فيها ابن جماعة عن القضاء ورجع إلى القدس بطالاً، وقبل أن يجبر على الحضور إلى دمشق. وفي هذه الفترة كان بيدمر أيضاً معزولاً عن نيابة دمشق. راجع آنفاً في المدخل إلى التحقيق.
(2) راجع: عن التقية في كتب الشهيد: الدروس، اللمعة، ذكرى الشيعة.
(3) القرآن الكريم: سورة الزمر، الآية 9. وسورة الشورى/ 15. وسورة القصص/ 70.
(4) خطر فلان: زها وتبختر، وخطر خطورة: عظم وارتفع قدره، والخَطَرُ: المثيل في الشرف والرفعة. راجع: لسان العرب، مادة: خطر.
(5) مرة جديدة يصل الأمر إلى برقوق الذي "غضب" على الساعين في ذلك. وهذا ما يؤكد على أهمية الرجل "الشهيد" وأهمية دوره وحضوره ومكانته العلمية. المسحوب عليها مكانة لدى السلطة والمجتمع.. والتي أيضاً عاد برقوق ليؤكد من جديد إطلاق يد الشهيد وإلى حيث يشاء "ويكون مقدماً على الخاص والعام".
(6) أي وجوب وضرورة تأكيد حضوره في دمشق، دون العودة إلى جزين، ولعله من تداعيات فعل الاستدعاء إلى القدس.
(7) دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج عدد 52، ص129 .  
(8)راجع : المختاري : حياة الشهيد الأول ،م.م ،ص112 .
(1) لعل هذا الحسد منصب على الحالة التي كان عليها فقهاء السلطة.. وهذا ما يظهر لنا في مطالعة أخبار المقريزي في السلوك خصوصاً ج3 قسم أول ص 52 مثلاً.وما ألمح إليه ابن خلدون في تاريخه،ج5،ص 479 .راجع دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج عدد51 ، ص ص ( 194..197) وعدد52، ص 130.
(2) ونعتقد أن مسألة الحضور الدائم في دمشق كما ورد من أن "الناس مقبلة عليه للاستفادة كما كان، بين فائدة يبديها، أو ضالة يهديها ـ وهنا دوره كفقيه ومرجع ـ نهاره في التدريس والإفادة". وهنا نتعرف إلى مدرسة الشهيد التي تحل حيثما يحل وإن كانت المدرسة المركز في جزين.. أما الليل فهو للتفكر والعبادة وهو القائل:
      طوبى لمن سهـرت في الليـل عينـاه       ومــات من قلــق في حب مــولاه
      ولعل الحضور في دمشق لكي لا يدع للأعداء فرصة أو سانحة يستغلونها، باعتبار أن الحضور في دمشق أفضل وأجدى كونها عاصمة المملكة ومركز السلطة. مع العلم أنه يتأفف منها بقوله:
      دمشـق دمشـق فـلا تــأتهــا       وإن غــرك الجــامع الجــامــع
      فســوق الفسـوق بهـا قــائم       وفجــر الفجـــور بهــا طالــع
      وهو يتقاطع مع الشعر الذي أوردناه آنفاً لابن أيبك الصفدي. راجع: المختاري: الشهيد الأول، حياته، فصل أشعاره، ص 249.
(1) يخصص الشهيد في قصيدته "الرائية" لهذا الموضوع جانباً كبيراً ـ استعاره عن الشاعر الشافعي السيد أحمد بن محمد الحافي الحسيني الشافعي. راجع: المختاري: حياة، هامش ص 255 نقلاً عن الروضات للخونساري.
(2) يعرف الناس، وهو متواتر لديهم، أن الشهيد على علاقة وطيدة مع السلطة، وله مقام رفيع عندها.. والجناة كاذبون، ولكن الخوف..!
(3) يبدو أن الموقف كان مهولاً استرعى السكوت ؟
(4) لاعتقاد: أن أمتي لا تجتمع على ضلالة...    
(5) بهذه الصيغة لاحظ ومن مصادر ومراجع عدة: محمد التنبكاني: قصص العلماء، ترجمة الشيخ مالك وهبي، دار المحجة البيضاء، بيروت 1993، ص 362. وفيها يتحدث عن حسد ابن جماعة وتحريضه على الشهيد..
(1) مضمون الآية.
(2) هذه الروايات، وبعضها مروية بالتواتر، وموجودة في بعض المصنفات مثلاً:
     - شمس الدين: حياة الإمام الشهيد، ص 73.
(3) آية الاسترجاع: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} (البقرة: 156).
(4) الشعراء/ 227. وهاتان الآيتان استعان بهما الإمام الحسين عندما كان وحيداً يجابه الموت بعدما قتل أولاده واخوانه وأصحابه.. راجع: السيرة الحسينية.
(5) يبدو أن ابن جماعة هو الذي كان يقود تحريك مشاعر الناس. وكان في حينها قاضي قضاة الشافعية بدمشق.
(1) لا خلاف في وقائع قتل الشهيد كما هو مبين هنا، وبين ما هو معروف ودون في كتب التاريخ والتراجم سوى التفصيل أكثر، خصوصاً في وثيقة المقداد السيوري. راجع: دراستنا في العرفان، م.م.
(2) أيضاً هذا التاريخ لا خلاف عليه، وهو الصحيح على ما هو جلي وواضح ، لنقول : أن محاكمة الشهيد والتداول بشأنه استمر أسبوعا كاملا، أي من يوم الجمعة إلى عصر يوم الخميس . 
(3) هنا المفارقة بين ما هو مشهور ومعروف، وبين ما تكشفه هذه المخطوطة، وتأسيساً عليه وبناء على ما ورد من أواصر العلاقة بين برقوق وبيدمر والشهيد يمكننا الأخذ بالرأي الوارد هنا.
(1) لم نتعرف على هذه التفاصيل بعد، وهي بحاجة إلى بحث وتدقيق، كون هذه المعلومات جديدة وبالتالي مغايرة لما هو معروف وسائد.وبالتالي فإن بن جماعة لم ينل منه وبقي حيا إلى العام 790هـ ؟! .المقريزي : السلوك ، م.م ص582 .
(2) أيضاً هذه الواقعة المذكورة جديدة سوى ما ذكره السيد محسن الأمين أنه رأى قبر الشهيد وكذلك ما أورده الشيخ شمس الدين: حياة الإمام الشهيد، ص 6، أما في مسألة القبة.. نترك هذا الأمر للمختصين إذ أنه يتوجب البحث والتدقيق
(3)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج ، عدد52، ص134 .
(4) عن هذا الموضوع راجع: المختاري: م.س.ن. ص 100 – 126، حيث عرض لكافة جوانب هذه القضية.
(5) لاحظ وثيقة تلميذ الشهيد المقداد السيوري في البحار م107، ص 184-186. وتبدو لنا هذه الوثيقة أنها منقوصة بالمقارنة مع هذه المخطوطة . وهذا ما يوجب بحث وتحقيق بالمقارنة، ولاحظ من مصادر ومراجع عدة: محمد التنبكاني: قصص العلماء، ترجمة الشيخ مالك وهبي، دار المحجة البيضاء، بيروت 1993، ص 365.
(1)الشهيد الأول : المعة الدمشقية ، ص84 و الدروس الشرعية ،ج2، ص55.
(2)الشهيد الأول : الدروس الشرعية ،ج2، ص89.
(3)م.ن ،ص73.
(4)حول القيادة ونظرياتها راجع : القيادة الادارية الفعالة ، مكتبة لبنان ، بيروت 2001.جون س .ماكسويل : نظرات في مسألة الزعامة : ترجمة : نور الدين الزويتني ، دار الجيل ، بيروت ،1999.
.Weber.Max:: The theory of social and economic organization the frepsen ,Newyork,1947:
(1)دراستنا لمختصر نسيم السحر في المنهاج عدد52 ، ص141 .
 
امتیاز دهی
 
 

خانه | بازگشت | حريم خصوصي كاربران |
Guest (PortalGuest)

كنگره بين المللي شهيدين
Powered By Sigma ITID.